نص الآية
۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴿133﴾
صورة الآية

تفسير الآية
جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية
التفسير الميسر
من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء
وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدَّها الله للمتقين.
تفسير السعدي
كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا وَأَكْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -إِذَا حَلّ أَجَلُ الدَّيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْضِي وَإِمَّا أَنْ يُرْبِي، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ فِي الْمُدَّةِ وَزَادَهُ الآخَر فِي القَدْر، وَهَكَذَا كُلُّ عَامٍ، فَرُبَّمَا [[في ر: "وربما".]] تَضَاعَفَ الْقَلِيلُ حَتَّى يَصِيرَ كَثِيرًا مُضَاعَفًا.
وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالتَّقْوَى لَعَلَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْأُولَى وَالْأُخْرَى [[في أ: "الآخرة".]] ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
ثُمَّ نَدَبهم إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى فعْل الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارِعَةِ إِلَى نَيْل القُرُبات، فَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: كَمَا أُعِدَّتِ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ تَنْبِيهًا [[في ر: "تنبيه".]] عَلَى اتِّسَاعِ طُولِهَا، كَمَا قَالَ فِي صِفَةِ فَرْشِ الْجَنَّةِ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ:٥٤] أَيْ: فَمَا ظَنُّكَ بِالظَّهَائِرِ؟ وَقِيلَ: بَلْ عَرْضُهَا كَطُولِهَا؛ لِأَنَّهَا قُبَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالشَّيْءُ المُقَبَّب وَالْمُسْتَدِيرُ عَرْضُه كَطُولِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ الْآيَةَ [رَقْمُ٢١] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ هِرَقْل كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّكَ دَعَوْتني إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ [[في جـ، ر: "رسول الله".]] ﷺ: "سُبْحَانَ اللهِ! فَأَيْنَ [[في و: "أين".]] اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[المسند (٣/٤٤٢) من حديث التنوخي. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/١٥) : "هذا حديث غريب تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ أبي خُثَيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة [[في ق: "أبي مرة" وهو خطأ".]] قَالَ: لَقِيت التَّنوخي رَسُولَ هِرَقْل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بحِمْص، شَيْخًا كَبِيرًا فَسَدَ، قَالَ: قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بِكِتَابِ هِرَقْل، فنَاول الصَّحِيفَةَ رَجُلا عَنْ يَسَارِهِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: "إِنَّكَ كَتَبْتُ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! فأيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ " [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وشُعْبَة، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ [[في أ: "سلمة".]] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مثْلَها مِنَ التَّوْرَاةِ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الطُّرُقِ [[في جـ، ر: "طرق".]] [[تفسير الطبري (٧/٢١١، ٢١٢) .]] ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَان، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: يَقُولُونَ: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ، وَأَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "فقال ابن عباس: أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل".]] .
وَقَدْ رُوي هَذَا مَرْفُوعًا، فَقَالَ البَزّار: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَر، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ أَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَمّه يَزِيدَ بْنِ الأصَم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: "أرَأيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ لَبسَ كُلَّ شَيْءٍ، فَأيْنَ النَّهَار؟ " قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: "وَكَذِلَكَ [[في أ: "فلذلك"، وفي و: "فكذلك".]] النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٦) من طريق محمد بن معمر عن المغيرة به. وقال: "على شرطهما ولم يخرجاه ولا أعلم له علة"ووافقه الذهبي.]] .
وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِنَا اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَلَّا يَكُونَ فِي مَكَانٍ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ تَكُونُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا [[في أ: "فهذا".]] أَظْهَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي [[في أ: "من".]] حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ [[في أ: "عند".]] الْبَزَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ النَّهَارَ إِذَا تَغَشَّى وَجْهَ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَعَرْضُهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ [الْحَدِيدِ:٢١] وَالنَّارُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ وُجُودِ النار، والله أعلم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَفَة أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أَيْ: فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، والمَنْشَط والمَكْرَه، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٧٤] . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَشْغَلُهُمْ أمْر عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنْفَاقِ فِي مَرَاضِيه، وَالْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: إِذَا ثَارَ بِهِمُ الْغَيْظُ كَظَمُوهُ، بِمَعْنَى: كَتَمُوهُ فَلَمْ يَعْمَلُوهُ، وعَفَوْا [[في أ: "وعفا".]] مَعَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ [[في أ، و: "إليه".]] وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فَلا أُهْلِكُكَ [[في ر: "أهلك".]] فِيمَنْ أهْلِكَ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[لم أجده في تفسيره.]] .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ شُعَيب الضَّرِير أَبُو الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في جـ، ر: "حدثني".]] الرَّبِيعُ بْنُ سليمان الجيزي [[في أ، و: "النميري". وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من الجرح والتعديل ٣/٤٦٤.]] عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إلَى اللهِ قَبِلَ عُذْرَهُ" [وَ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ [[ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٣٢٩) وابن أبي عاصم في الزهد برقم (٤٧) من طريق الربيع عن أبي عمرو مولى أنس عن أنس به. ووقع عند الخرائطي "الربيع بن مسلم" ولعله تصحيف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٨) : "وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف" وللحديث طريق آخر عن أنس يرويه الفضل بن العلاء عن سفيان عن حميد عن أنس به، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة برقم (٢٠٦٦، ٢٠٦٧) وقال: "الفضل ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا". قلت: نقل ابن أبي حاتم عن أبيه (٧/٦٥) : "شيخ يكتب حديثه"، ووثقه ابن معين وابن المديني.]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لَيْسَ الشَّدِيدُ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] بِالصُّرُعة، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ [[في جـ، ر، أ، و: "الشدة".]] الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[المسند (٢/٢٣٦) وصحيح البخاري برقم (٦١١٤) وصحيح مسلم برقم (٢٦٠٩) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْميّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالِهِ؟ " قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: "اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا مَالُ وَارِثِهِ أحَبُّ إلَيْه مِنْ مَالهِ مَالَكَ مِنْ مَالَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ، ومَالُ وَارِثَكَ مَا أخَّرْتَ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الصُّرعَة؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تَصْرَعه [[في جـ: "يصرعه".]] الرِّجَالُ، قَالَ: قَالَ "لَا وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". قَالَ: قَالَ [[في أ، و: "قال: وقال".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَعُدُّونَ فِيْكُمُ الرَّقُوبَ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "لَا وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ [[في جـ، ر: "لا".]] يُقَدِّمْ مِنْ ولَدِهِ شَيْئًا".
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْهُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، بِهِ [[المسند (١/٣٨٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٤٢) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، سَمِعْتُ عُرْوة بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الجَعْفِيّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي حَصْبَةَ، أَوِ ابْنِ حَصْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: "تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ؟ " قَالُوا [[في أ: "قال".]] الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ. قَالَ: "الرَّقُوبُ كُلُّ الرَّقُوبِ الَّذِي لَهُ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا". قَالَ: "تَدْرُونَ مَا الصُّعْلُوكُ؟ " قَالُوا: الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الصُّعْلُوكُ كُلُّ الصُّعْلُوكِ الَّذِي لَهُ مَالٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْئًا". قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا الصُّرَعَةُ؟ " قَالُوا: الصَّرِيعُ. قَالَ: فَقَالَ [[في جـ، ر: "فقال النبي".]] ﷺ الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعَةِ الَّذِي يَغْضَبُ فَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ، وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، وَيَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ، فَيَصْرَعُ غَضَبَهُ" [[المسند (٥/٣٦٧) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "فيه أبو حصبة أو ابن عصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ-عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: جَارية بْنُ قُدامة السَّعْدِيُّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِل عَلَيَّ، لَعَلِّي أَعِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَغْضَبْ". فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا تَغْضَبْ".
وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ [أَيْضًا] [[زيادة من و.]] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا وأقْلِل علَيَّ لَعَلّي أعقِله. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَغْضَبْ". قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال النبي".]] ﷺ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ.
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٥/٣٧٣) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٦٩) : "رجاله رجال الصحيح".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داود بن أبي هِنْد عن بن أَبِي حَرْب بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: كَانَ يَسْقِي عَلَى حَوْضٍ لَهُ، فَجَاءَ قَوْمٌ قَالُوا [[في جـ، ر: "فقالوا".]] أَيُّكُمْ يُورِدُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَسِبُ شَعَرَاتٍ مِنْ رَأْسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَدَقَّهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ قَائِمًا فَجَلَسَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لِمَ جَلَسْتَ ثُمَّ اضْطَجَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لَنَا: "إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ [[في جـ، أ: "فإذا".]] ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي حرب، عن أبي ذَرٍّ، وَالصَّحِيحُ: ابْنُ أَبِي حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ [[المسند (٥/١٥٢) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٢، ٤٧٨٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ الصَّنْعَاني قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عرْوة بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ بِكَلَامٍ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا أَنْ غَضِبَ قَامَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إنَّ الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وإنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ [[في و: "من نار".]] وإنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالماءِ، فَإذَا أُغْضِبَ [[في جـ، ر، أ، و: "غضب".]] أحَدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الصنْعَاني، عَنْ أَبِي وَائِلٍ الْقَاصِّ [[في جـ، أ: "العاص"، وفي ر: "العلص".]] المُرَادي الصَّنْعَاني: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أُرَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَحير [[في جـ: "جبير".]] [[المسند (٤/٢٢٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٤) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ جَعْوَنة السُّلَمي، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوُةٍ -ثَلَاثًا-أَلَا إنَّ عَمَلَ النَّار سَهْلٌ بسَهْوة. والسَّعِيدُ مَنْ وقيَ الفِتَنَ، ومَا مِنْ جَرْعَةٍ أحَبُّ إلَى اللهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ [[في أ، و: "ما كظم عبد الله".]] إِلَّا مَلأ [[في ر، أ، و: "ملأ الله".]] جَوْفُه إيمَانًا".
انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ [[في أ، و: "فيهم".]] مَجْرُوحٌ، وَمَتْنُهُ حَسَنٌ [[المسند (١/٣٢٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكرَم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدي-عَنْ بِشْرٍ -يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سُوَيد بْنِ وَهْب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْفِذَه مَلأهُ اللهُ أَمْنًا وَإيمانًا، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَال وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه -قَالَ بِشر: أَحْسَبُهُ قَالَ: "تَوَاضُعًا"-كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ زَوَّجَ للهِ كَسَاهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ" [[سنن أبي داود برقم (٤٧٧٨) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزيد، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُوم، عَنْ سَهْل بْنِ مُعَاذ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَه، دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ، حَتَّى يُخيرَهُ مِنْ أيِّ الْحُورِ شَاءَ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أيُّوب، بِهِ. وَقَالَ الترمذي: حسن غريب [[المسند (٣/٤٤٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٧) وسنن الترمذي برقم (٢٠٢١، ٢٤٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤١٨٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بن قَيْس، عن زيد بن أسلم، عن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ -يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَلِيلِ-عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مِلْأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا". رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٦) وتفسير الطبري (٧/٢١٦) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/١٢٣) وقال: "عبد الجليل لا يتابع عليه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويَه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ مِنْ جُرْعَةٍ أَفْضَلَ أَجْرًا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، بِهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤١٨٩) ورواه أحمد في مسنده (٢/١٢٨) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، به.]] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أَيْ: لَا يَعْمَلُونَ [[في جـ: "أي يعلمون"، وفي ر: "أي لا يعلمون".]] غَضَبَهُمْ فِي النَّاسِ، بَلْ يَكُفُّونَ عَنْهُمْ شَرَّهُمْ، وَيَحْتَسِبُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أَيْ: مَعَ كَفِّ الشَّرِّ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَبْقَى [[في و: "تبقى".]] فِي أَنْفُسِهِمْ [[في أ: "نفوسهم".]] مَوجدة عَلَى أَحَدٍ، وَهَذَا أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فَهَذَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِحْسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ " [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري.]] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقبة، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ القُرشي، عَنْ عُبَادة بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَف لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ".
ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٢٩٥) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (١/١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة، به.]] وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرة، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ [[في ر، أ، و: "من".]] طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحُقَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ أَتْبَعُوهُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمّام بْنُ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ [[في جـ: "يا رب".]] إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ عَمِلَ ذنبا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبا فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتْ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدَي أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرَتُ لِعَبْدِي ثُمَّ عَمِلَ ذَنَبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلَتُ ذَنَبًا فَاغْفِرْهُ [[في جـ: فاغفره لي".]] فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي عَلِمَ [[في جـ: "علم عبدي".]] أنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
أَخْرَجَهُ [[في جـ، ر، أ، و: "أخرجاه".]] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ [[في جـ: "إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ".]] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، بِنَحْوِهِ [[المسند (٢/٢٩٦) وصحيح البخاري رقم (٥٧٠٧) ورواه مسلم في صحيحة برقم (٢٧٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله، به.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَأَبُو عَامِرٍ قَالَا حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّة -مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ-سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَيْنَاكَ رقَّت قلوبُنا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وشَمِمْنا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، فَقَالَ [[في ج: "قال".]] لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يُغْفَرَ لَهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ:"لَبِنَةُ ذَهَبٍ، وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَح [[في جـ، ر: "ويفتح".]] لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَرَوَاهُ الترمذي، وابن ماجة، من وجه آخر من سَعْدٍ، بِهِ [[المسند (٢/٣٠٤، ٣٠٥) وسنن الترمذي برقم (٣٥٩٨) ، وسنن ابن ماجة برقم (١٧٥٢) .]] .
وَيَتَأَكَّدُ الْوُضُوءُ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا مِسْعَر، وَسُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ [[في ر: "بنت".]] الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: كنت إذا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا [[في جـ: "سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".]] نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ [غَيْرِي استَحْلفْتُه، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدقته، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدثني] [[زيادة من جـ، والمسند.]] وصدَق أَبُو بَكْرٍ -أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ -الوُضُوءَ -قَالَ مِسْعر: فَيُصَلّي. وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ -فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ".
كَذَا [[في جـ، ر، أ، و: "وهكذا".]] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المَديني، والحُمَيْدي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ والدارقُطْني، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (١/٢، ١٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٣٩٥) ومسند الحميدي برقم (٤) ومصنف ابن أبي شيبة (٢/٣٨٧) ومسند البزار برقم (٨) والعلل للدارقطني برقم (٨) وقد توسع الدارقطني في الكلام عليه.]] وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرقه وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَقْصًى فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] عَنْ خَلِيفَةِ النَّبِيِّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [[في أ، و: "عنه".]] وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَبْلُغَ -أَوْ: فَيُسْبِغَ -الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيّهَا شَاءَ" [[صحيح مسلم برقم (٢٣٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوء النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَوضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيْهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [[صحيح البخاري برقم (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٢٦، ٢٣٢) .]] .
فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ يَنْفَعُ الْعَاصِينَ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَةَ، بَكَى [[تفسير عبد الرزاق (١/١٣٧) وتفسير الطبري (٧/٢٢٠) وليس فيها أنس بن مالك.]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحْرِز بْنُ عَون، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نُضَيْرة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فأكْثرُوا مِنْهُمَا، فإنَّ إبْليسَ قَالَ: أهْلَكْتُ النَّاسَ بالذُّنُوبِ، وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إِلَّا اللهُ والاسْتِغْفَار، فَلَمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهُمْ بِالأهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُم مُهْتَدُونَ".
عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ وَشَيْخُهُ ضعيفان [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".]] .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوَارِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتكَ لَا أزَالُ أغْوي [عِبَاَدكَ] [[عن المسند، وفي جـ، ر، أ: "أغويهم".]] مَا دَامَتْ أرْوَاحُهُمْ فِي أجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَلَا أزَالُ أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [[المسند (٣/٧٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُمر بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمِعْتُ أَبَا بَدْر يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ، ر: "يا رسول الله إني".]] ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَذْنَبْتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". [قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ أَعُودُ فأُذْنِب. قَالَ [[في جـ، ر: "فقال".]] فَإذا [[في أ، و: "إذا".]] أَذْنَبْتَ فَعُدْ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ] [[زيادة من جـ، ر، ومسند البزار.]] " فَقَالَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ المحسُورُ" [[مسند البزار برقم (٣٢٤٩) "كشف الأستار".]] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠١) : "رواه البزار وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله وثقوا".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَب، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، وَالْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللهمُ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ" [[المسند (٣/٣٤٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: تَابُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مقْلِعِين عَنْهَا، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مُسْنَدِهِ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الحِمَّانيّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والْبَزَّار فِي مُسْنَدِهِ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ-بِهِ وَشَيْخُهُ أَبُو نُصَيْرَةَ [[في جـ: "أبو بصيرة"، وفي ر: "أبو نصر".]] الْوَاسِطِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ بِذَاكَ، فَالظَّاهِرُ إِنَّمَا [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] لِأَجْلِ جَهَالَةِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ مَثَلِهِ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَيَكْفِيهِ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَبِي بَكْرٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] الصِّدِّيقِ، فَهُوَ حديث حسن [[مسند أبي يعلى (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٥١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٥٥٩) ومسند البزار برقم (٩٣) .]] والله أعلم.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٠٤] وَكَقَوْلِهِ [[في أ: "قوله".]] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ:١١٠] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبيّ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ-وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لأقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ للْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصرونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[المسند (٢/١٦٥) .]] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ-: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾ أَيْ: جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [[في و: "من ربهم".]] وَجَنَّاتٌ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوبَاتِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ فِيهَا ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يَمْدَحُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسارِعُوا﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ "سارِعُوا" بِغَيْرِ وَاوٍ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ "وَسارِعُوا". وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: كِلَا الْأَمْرَيْنِ شَائِعٌ [[في هـ: سائغ.]] مُسْتَقِيمٌ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْوَاوِ فَلِأَنَّهُ عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْوَاوَ فَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالْأُولَى مُسْتَغْنِيَةٌ بِذَلِكَ عَنِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ. وَالْمُسَارَعَةُ الْمُبَادَرَةُ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ. وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ أَيْ سَارِعُوا إِلَى مَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ وهي الطاعة. قال أنس ابن مَالِكٍ وَمَكْحُولٌ فِي تَفْسِيرِ (سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ): مَعْنَاهُ إِلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ. عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: إِلَى الْإِخْلَاصِ. الْكَلْبِيُّ: إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الرِّبَا. وَقِيلَ: إِلَى الثَّبَاتِ فِي الْقِتَالِ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الجميع، ومعناها معني﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
﴾ [البقرة: ١٤٨] وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٢ ص ١٦٥.]]. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ تَقْدِيرُهُ كَعَرْضِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] [[راجع ج ١٤ ص ٧٨.]] أَيْ إِلَّا كَخَلْقِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَبَعْثِهَا. قَالَ الشاعر: حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ [[بغام الناقة: صوت لا تفصح به. والعناق (بالفتح): الأنثى من المعز. وويب، بمعنى ويل. والبيت لذي الخرق الطهوي يخاطب ذئبا تبعه في طريقه.
(عن اللسان).]]
يُرِيدُ صَوْتَ عَنِاقٍ. نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] [[راجع ج ١٧ ص ٢٥٤.]] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تقرن السموات وَالْأَرْضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ، وَلَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لَا يُنْكَرُ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (مَا السموات السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ [[في هـ: من حديد.]] أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ (. فَهَذِهِ مَخْلُوقَاتٌ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ جِدًّا من السموات وَالْأَرْضِ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْجِنَانُ أَرْبَعَةٌ: جَنَّةُ عَدْنٍ وَجَنَّةُ الْمَأْوَى وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ وَجَنَّةُ النَّعِيمِ، وَكُلُّ جَنَّةٍ مِنْهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَوْ وُصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وقال إسماعيل السدي: لو كسرت السموات والأرض وصرن خردلا، فبكل خَرْدَلَةٍ جَنَّةٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَفِي الصَّحِيحِ: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثال) رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أَبِي مُرَّةَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِحِمْصَ شَيْخًا كَبِيرًا قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابِ هِرَقْلَ، فَنَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا كِتَابُ صَاحِبِي: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سُبْحَانَ اللَّهِ فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ). وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ اسْتَدَلَّ الْفَارُوقُ عَلَى الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكُمْ "وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ نَزَعْتَ [[نزعت بما في التوراة. جئت بما يشبهها.]] بِمَا فِي التَّوْرَاةِ. وَنَبَّهَ تَعَالَى بِالْعَرْضِ عَلَى الطُّولِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الطُّولَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْعَرْضِ، وَالطُّولُ إِذَا ذُكِرَ لَا يَدُلُّ على قدر الْعَرْضِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا، فَأَمَّا طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا كقول تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] [[راجع ج ١٧ ص ١٧٩.]] فَوَصَفَ الْبِطَانَةَ بِأَحْسَنِ مَا يُعْلَمُ مِنَ الزِّينَةِ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ الظَّوَاهِرَ تَكُونُ أَحْسَنَ وَأَتْقَنَ مِنَ الْبَطَائِنِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بِلَادٌ عَرِيضَةٌ، وَفَلَاةٌ عَرِيضَةٌ، أَيْ وَاسِعَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ بِلَادَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ ... عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ [[الكفة (بالكسر): ما يصاد به الظباء، يجعل كالطوق.]]
وَقَالَ قَوْمٌ: الْكَلَامُ جَارٍ عَلَى مَقْطَعِ الْعَرَبِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجَنَّةُ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالِانْفِسَاحِ فِي غَايَةٍ قُصْوَى حَسُنَتِ الْعِبَارَةُ عنها بعرض السموات وَالْأَرْضِ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ: هَذَا بَحْرٌ، وَلِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ: هَذَا جَبَلٌ. وَلَمْ تَقْصِدِ الْآيَةُ تَحْدِيدَ الْعَرْضِ، وَلَكِنْ [[في د وهـ: ولكنه يراد.]] أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أوسع شي رَأَيْتُمُوهُ. وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ: لِقَوْلِهِ "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُمَا غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ فِي وَقْتِنَا، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى إذا طوى السموات وَالْأَرْضَ ابْتَدَأَ خَلْقَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّهُمَا دَارَ جَزَاءٍ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَخُلِقَتَا بَعْدَ التَّكْلِيفِ فِي وَقْتِ الْجَزَاءِ، لِئَلَّا تَجْتَمِعَ دَارُ التَّكْلِيفِ وَدَارُ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: الْجَنَّةُ يُزَادُ فِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا مُتَعَلَّقٌ لِمُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُ ابْنِ فُورَكَ "يُزَادُ فِيهَا" إِشَارَةٌ إِلَى مَوْجُودٍ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى سَنَدٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ فِي الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: صَدَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا قَالَ: وإذا كانت السموات السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ السَّبْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْكُرْسِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَالْجَنَّةُ الْآنَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ عرضها كعرض السموات وَالْأَرْضِ، إِذِ الْعَرْشُ سَقْفُهَا، حَسْبَ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّقْفَ يَحْتَوِي عَلَى مَا تَحْتَهُ وَيَزِيدُ. وَإِذَا كَانَتِ الْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَالْحَلْقَةِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُقَدِّرُهُ وَيَعْلَمُ طُولَهُ وَعَرْضَهُ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهُ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لِقُدْرَتِهِ [[في د وب وهـ: لمقدوراته.]]، وَلَا غَايَةَ لِسَعَةِ مملكته، سبحانه وتعالى.
تفسير الطبري
جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وسارعوا"، وبادروا وسابقوا = [[انظر تفسير"سارع" فيما سلف ٧: ١٣٠.]] "إلى مغفرة من ربكم"، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها ="وجنة عرضها السموات والأرض"، يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
* *
ذكر أن معنى ذلك: وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وجنة عرضها السموات والأرض"، قال: قال ابن عباس: تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة.
* *
وإنما قيل:"وجنة عرضها السموات والأرض"، فوصف عرضها بالسموات والأرضين، والمعنى ما وصفنا: من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨] ، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر: [[هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي، وينسب لأعشى باهلة، وللنابغة خطأ.]]
كأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ [[الكامل ٢: ١٩٦، معجم البلدان (سلى) ، واللسان (فوق) (سلل) ، وكان شقيق بن جزء قد أغار على بني ضبة بروضة سلى وروضة ساجر، وهما روضتان لعكل -وضبة وعدى وعكل وتيم حلفاء متجاورون- فهزمهم، وأفلت عوف بن ضرار، وحكيم بن قبيصة بن ضرار بعد أن جرح، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي، فقال شقيق: لَقَدْ قَرَّتْ بِهِمْ عَيْني بِسِلَّى ... وَرَوْضَةِ سَاجِرٍ ذَاتِ القَرَارِ
جَزَيْتُ المُلْجِئِينَ بِمَا أَزَلْتْ ... مِنَ البُؤْسَى رِمَاحُ بني ضِرَارِ
وَأَفْلَتَ من أسِنَّتِنَا حَكِيمٌ ... جَرِيضًا مِثْلَ إفْلاتِ الحِمارِ
كأَنَّ عَذِيرَهُمْ............ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المعجم"ذات العرا"، والصواب ما أثبت. والقرار: المكان المنخفض المطمئن يستقر فيه الماء، فتكون عندها الرياض، ومنه قوله تعالى: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين". والملجئ الذي قد تحصن بملجأ واعتصم. وأزل إليه زلة: أي أنعم إليه واصطنع عنده صنيعة، وإنما أراد: ما قدم من السوء، سخرية منهم. يقول: جزيتهم هؤلاء المعتصمين بأسوأ ما صنعوا. وقوله: "جريضًا"، أي أفلت وقد كاد يقضى ويهلك. والعذير: الحال. يقول كأن حالهم حال نعام في أرض قفر يصوت مذعورًا، هزموا وتصايحوا. والقفار جمع قفر، يقال: "أرض قفر وأرض قفار"، يوصف بالجمع.]]
أي: عذيرُ نعام، وكما قال الآخر: [[هو ذو الخرق الطهوي.]]
حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ [[سلف تخريجه وشرحه في ٣: ١٠٣.]]
يريد صوت عناق.
* *
قال أبو جعفر: وقد ذكر أنّ رسول الله ﷺ سئل فقيل له: هذه الجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء، أين الليل.
ذكر الأخبار عن رسول الله ﷺ وغيره.
٧٨٣١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. [[في المطبوعة: "قد أقعد". وهو خطأ لا شك فيه، وفي تفسير ابن كثير ٢: ٢٤٠"قد فسد"، وهو خطأ أيضًا، ولكنه رجع عندي أن نص الطبري هنا قد"فند" (بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيًا للمجهول) بمعنى: قد نسب إلى الفند (بفتحتين) وهو العجز، والخرف وإنكار العقل من الهرم والمرض، ولم يرد ذلك إنما أراد الكبر والهرم إلى أقصى العمر. وأهل اللغة يقولون في ذلك"أفند" (بالبناء للمعلوم) ، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند، وأما رواية أحمد في المسند، فنصها: "شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب".]] قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي:"إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، [[في المطبوعة: "فإذا هو أنك كتبت تدعوني"، وهو محاولة تصحيح لما في المخطوطة، وكان فيها: "فإذا كان كتبت تدعوني"، والصواب الذي أثبته من ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٤١، ومثله في خبر أحمد في مسنده.]] فأين النار؟ " فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ [[الحديث: ٧٨٣١-"مسلم بن خالد": هو الزنجي المكي الفقيه، شيخ الإمام الشافعي. وهو في نفسه صدوق، ولكنه يخطئ كثيرًا في روايته، حتى قال البخاري: "منكر الحديث" ولذلك رجحنا تضعيفه في المسند: ٦١٣. ابن خثيم - بضم الخاء المعجمة ثم فتح الثاء المثلثة: هو عبد الله بن عثمان بن خثيم، مضت ترجمته في: ٤٣٤١. سعيد بن أبي راشد: في التهذيب ٤: ٢٦ ويقال: ابن ر٠اشد. روى عن يعلى بن مرة الثقفي، وعن التنوخي النصراني رسول قيصر، ويقال: رسول هرقل. وعنه عبد الله بن عثمان بن خثيم. ذكره ابن حبان في الثقات، قلت: وفي الرواة سعيد بن أبي راشد، أو ابن راشد - آخر".
ثم نقل طابع التهذيب هامشة عن الأصل الذي يطبع عنه. وجعل رقمها عند قوله"النصراني" - وهذا نصها: "قال شيخنا: أسلم متأخرًا، عن هذا يقال له أبو محمد المازني، السماك، مذكور في كتاب الضعفاء. نبهت عليه"!!
وهذا تخطيط عجيب من الطابع. فالهامشة أصلها هامشتان يقينًا، كل منهما في موضع، كما هو بديهي.
فإن قوله: "أسلم متأخرًا" هو المناسب لقوله"النصراني". وأما ما بعده، فإنه يريد به أن"سعيد بن راشد" أو"ابن أبي راشد" متأخر عن المترجم الذي يروى عن رسول قيصر، وأن هذا المتأخر هو الذي كنيته"أبو محمد المازني السماك". وهو مترجم في الكبير للبخاري ٢ / ١ / ٤٣١، وقال فيه: "منكر الحديث". وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩ - ٢٠ برقم: ٨٠، وترجم قبله، برقم: ٧٩"سعيد بن أبي راشد" وأنه صحابي، وترجم بعدهما برقم: ٨١"سعيد بن راشد المرادى" - وهو متأخر عن هذين.
وترجم الحافظ في الإصابة ٣: ٩٦ للصحابي، ثم قال في آخر الترجمة: "وأما سعيد بن أبي راشد شيخ عبد الله بن عثمان بن خثيم، روى عنه عن رسول قيصر حديثًا = فأظنه غير هذا".
وترجم الذهبي في الميزان ١: ٣٧٩ ثلاث تراجم، فرق بينها، وبين ضعف"سعيد بن راشد المازني السماك". وكذلك صنع الحافظ في لسان الميزان ٣: ٢٧ - ٢٨. و"سعيد بن راشد السماك" الضعيف: ترجمه ابن حبان في المجروحين، برقم: ٣٩٨، وأساء القول فيه. والراجح عندي أن"سعيد بن أبي راشد" الذي هنا = هو الصحابي. وأنه روى هذا عن التنوخي رسول هرقل.
يعلى بن مرة: هو الثقفي الصحابي المعروف. وعندي أن ذكره في هذا الإسناد مقحم خطأ، كما سيأتي.
التنوخي رسول هرقل: لم أجد له ترجمة، إلا ذكره بهذا الوصف وأنه روى عنه سعيد بن أبي راشد، كما ذكره الحافظ في التعجيل، ص: ٥٣٥. وإلا الكلمة التي نقلها طابع التهذيب عن هامش أصله بأنه أسلم متأخرًا. فهو بهذا لا يعتبر من الصحابة، لأنه حين لقي النبي ﷺ لم يكن مسلمًا، وإنما أسلم بعده. ولا يعتبر من الصحابة إلا من رأى النبي ﷺ وكان مسلمًا حين الرؤية. أما من رآه وكان كافرًا حين الرؤية ثم أسلم بعد موته ﷺ -كالتنوخي هذا- فلا صحبة له. انظر تدريب الراوي، ص: ٢٠٢
ولكن روايته تكون صحيحة مقبولة، لأنه كان مسلمًا حين الأداء، أعني التبليغ والتحديث، وإن كان كافرًا حين التحمل، أعني الرؤية وسماع ما يرويه. وانظر أيضًا تدريب الراوي، ص: ١٢٨. وهذا الحديث طرف من حديث طويل في قصة، رواه الإمام أحمد في المسند: ١٥٧١٩ (ج٣ ص ٤٤١ - ٤٤٢ حلبي) ، عن إسحاق بن عيسى -وهو الطباع- عن يحيى بن سليم، وهو الطائفي، "عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، قال: رأيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ، بحمص، وكان جارًا لي، شيخًا كبيرًا، قد بلغ الفند أو قرب. . ." - إلى آخر القصة.
وقد نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ ٥: ١٥ - ١٦، عن المسند -بطوله- وبإسناده، ثم قال: "هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به. تفرد به أحمد". وأشار إليه في التفسير ٢: ٢٤٠، إشارة موجزة.
وقد وقع في نسختي المسند - المطبوعة والمخطوطة: "يحيى بن سليمان"، بدل"يحيى بن سليم". وهو خطأ من الناسخين. وثبت على الصواب في تاريخ ابن كثير. فهذه رواية يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم - فيها أن سعيد بن أبي راشد هو الذي لقى التنوخي وسمع منه هذا الحديث.
ويحيى بن سليم: سبق توثيقه في: ٤٨٩٤. وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، ومهما يقل في حفظه فلا نشك أنه كان أحفظ من مسلم بن خالد الزنجي الضعيف، وخاصة في حديث ابن خثيم، فقد شهد أحمد ليحيى بن سليم بأنه"كان قد أتقن حديث ابن خثيم".
فعن ذلك قطعنا بأن زيادة"عن يعلى بن مرة" - في إسناد الطبري هذا - خطأ ووهم. والراجح أن الخطأ من مسلم بن خالد. ورواية الطبري - هذه - ذكرها ابن كثير في التفسير ٢: ٢٤٠ - ٢٤١، والسيوطي ٢: ٧١، ولم ينسبها لغيره.]]
٧٨٣٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أنّ ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن"جنة عرضها السموات والأرض"، أين النار؟ قال: أرأيتم إذا جاء الليل، أن يكون النهار؟ "فقالوا: اللهم نزعْتَ بمثَله من التوراة! [[في المطبوعة: "مثله من التوراة"، وفي المخطوطة"فمثله"، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "انتزع معنى جيدًا ونزعه"، أي استخرجه واستنبطه.]] .
٧٨٣٣- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيت قوله:"وجنة عرضها السموات والأرض"، فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر:"أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ " فقالوا: نزعت مثَلها من التوراة.
٧٨٣٤- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، أخبرنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر بنحوه، في الثلاثة الرّهط الذين أتوا عمر فسألوه: عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بمثل حديث قيس بن مسلم.
٧٨٣٥- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون:"جنة عرضها السموات والأرض"، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ.
٧٨٣٦- حدثني أحمد بن حازم قال، أخبرنا أبو نعيم قال، حدثنا جعفر بن برقان قال، حدثنا يزيد بن الأصم: أن رجلا من أهل الكتاب أتى ابن عباس فقال: تقولون"جنة عرضها السموات والأرض"، فأين النار؟ فقال ابن عباس: أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ [[الحديث: ٧٨٣٦- جعفر بن برقان -بضم الباء الموحدة وسكون الراء- الكلابي الجزري: ثقة صدوق، وثقه ابن معين، وابن نمير، وغيرهما. يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي: تابعي ثقة، أمه برزة بنت الحارث، أخت ميمونة أم المؤمنين. وعبد الله بن عباس هو ابن خالته.
ووقع في المطبوعة هنا"يزيد الأصم"، وهو خطأ."الأصم" لقب أبيه، وليس لقبه. وهذا الحديث رواه يزيد بن الأصم عن ابن خالته ابن عباس، موقوفًا عليه من كلامه. والإسناد إليه صحيح.
وقد رواه أيضًا يزيد، عن أبي هريرة، مرفوعًا قال، "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي ﷺ: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء، أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال: فإن الله يفعل ما يشاء". رواه ابن حبان في صحيحه، رقم: ١٠٣ بتحقيقنا، والحاكم في المستدرك ١: ٣٦ - من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعلم له علة"، ووافقه الذهبي. وكذلك رواه البزار من حديثه. نقله عنه ابن كثير ٢: ٢٤١، بنحوه.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣٢٧، وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح". وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه للبزار والحاكم فقط. وأما الموقوف على ابن عباس، فقد نقله ابن كثير ٢: ٢٤١، عن هذا الموضع من الطبري. وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه إليه وإلى عبد بن حميد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"أعدت للمتقين" فإنه يعني: إنّ الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع، أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه. كما:-
٧٨٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين"، أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي. [[الأثر: ٧٨٣٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٢٩. وكان في المطبوعة: "أي ذلك لمن أطاعني"، وهو إن كان مستقيما على وجه، إلا أن نص ابن هشام أشد استقامة على منهاج المعنى في الآية، فأثبت نص ابن هشام. هذا مع قرب التصحيف في"دارًا" إلى"ذلك". فمن أجل هذا رجحت ما في سيرة ابن هشام.]]
الآيات في نفس صفحة المصحف
سورة ال عمران • الآية 133
۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴿133﴾
سورة ال عمران • الآية 134
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴿134﴾
سورة ال عمران • الآية 135
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴿135﴾
سورة ال عمران • الآية 136
أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ﴿136﴾
سورة ال عمران • الآية 137
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴿137﴾
سورة ال عمران • الآية 138
هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ﴿138﴾
سورة ال عمران • الآية 139
وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴿139﴾
سورة ال عمران • الآية 140
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴿140﴾
