نص الآية
أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنْهَٰرًۭا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿61﴾
صورة الآية

تفسير الآية
جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية
التفسير الميسر
من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء
أعبادة ما تشركون بربكم خير أم الذي جعل لكم الأرض مستقرًّا وجعل وسطها أنهارًا، وجعل لها الجبال ثوابت، وجعل بين البحرين العذب والملح حاجزًا حتى لا يُفسد أحدهما الآخر؟ أمعبود مع الله فَعَلَ ذلك حتى تشركوه معه في عبادتكم؟ بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْر عظمة الله، فهم يشركون به تقليدًا وظلمًا.
تفسير السعدي
كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي
يَقُولُ: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً، لَا تَمِيدُ وَلَا تَتَحَرَّكُ بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُفُ بِهِمْ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْشُ وَالْحَيَاةُ، بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَةً لَا تَتَزَلْزَلُ وَلَا تَتَحَرَّكُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غَافِرٍ: ٦٤] .
﴿وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَ فِيهَا الْأَنْهَارَ الْعَذْبَةَ الطَّيِّبَةَ تَشُقُّهَا فِي خِلَالِهَا، وَصَرَّفَهَا فِيهَا مَا بَيْنَ أَنْهَارٍ كِبَارٍ وَصِغَارٍ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهَا شَرْقًا وَغَرْبًا وَجَنُوبًا وَشَمَالًا بِحَسَبِ مَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَقَالِيمِهِمْ وَأَقْطَارِهِمْ حَيْثُ ذَرَأَهُمْ فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، سَيَّرَ لَهُمْ [[في أ: "إليهم".]] أَرْزَاقَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ أَيْ: جِبَالًا شَامِخَةً تُرْسِي الْأَرْضَ وَتُثَبِّتُهَا؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أَيْ: جَعَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ وَالْمَالِحَةِ [[في ف، أ: "والملحة".]] حَاجِزًا، أَيْ: مَانِعًا يَمْنَعُهَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ، لِئَلَّا يَفْسُدَ هَذَا بِهَذَا وَهَذَا بِهَذَا، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَقْتَضِي بِقَاءَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى صِفَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْبَحْرَ الْحُلْوَ هُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا: أن تكون عذبة زلالا تسقى الْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ وَالثِّمَارُ مِنْهَا. وَالْبِحَارُ الْمَالِحَةُ هِيَ الْمُحِيطَةُ بِالْأَرْجَاءِ وَالْأَقْطَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا مِلْحًا أُجَاجًا، لِئَلَّا يَفْسُدَ الْهَوَاءُ بِرِيحِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَعَلَ هَذَا؟ أَوْ يُعْبَدُ عَلَى [[في ف، أ: "أو بعد هذا".]] الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ؟ وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ صَحِيحٌ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا لُوطًا، أَوِ اذْكُرْ لُوطًا. "إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ" وهم أهل سدوم. وقال لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) الْفَعْلَةَ الْقَبِيحَةَ الشَّنِيعَةَ.
(وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أَنَّهَا فَاحِشَةٌ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ لِذُنُوبِكُمْ. وَقِيلَ: يَأْتِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. وَكَانُوا لَا يستترون عتوا منهم وتمردا.
(أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) أَعَادَ ذكرها لفرط قبحها وشنعتها.
(بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) إِمَّا أَمْرَ التَّحْرِيمِ أَوِ الْعُقُوبَةَ. وَاخْتِيَارُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ الثانية من "أإنكم" فَأَمَّا الْخَطُّ فَالسَّبِيلُ فِيهِ أَنْ يُكْتَبَ بِأَلِفَيْنِ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا، لِأَنَّهَا هَمْزَةٌ مُبْتَدَأَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ عَنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ. يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَابُوهُمْ وَاللَّهِ بِغَيْرِ عَيْبٍ بِأَنَّهُمْ يَتَطَهَّرُونَ مِنْ أَعْمَالِ السُّوءِ.
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) وَقَرَأَ عَاصِمٌ: "قَدَرْنَا" مُخَفَّفًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. يُقَالُ قَدْ قَدَرْتُ الشَّيْءَ قَدْرًا وَقَدَرًا وَقَدَّرْتُهُ.
(وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) أَيْ مَنْ أُنْذِرَ فَلَمْ يَقْبَلِ الْإِنْذَارَ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا في "الأعراف" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٧ طبعه أولى أو ثانية.]] و "هود" [[راجع ج ٩ ص ٨١ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: قِيلَ لِلُوطٍ "قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" عَلَى هَلَاكِهِمْ. وَخَالَفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْفَرَّاءَ فِي هَذَا وَقَالُوا: هُوَ مُخَاطَبَةٌ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، أَيْ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى هَلَاكِ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكُلُّ مَا فِيهِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا مَا لَمْ يَصِحَّ مَعْنَاهُ إِلَّا لِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ "قُلِ" يَا مُحَمَّدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى " يَعْنِي أُمَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسُفْيَانُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الْآيَاتِ النَّاطِقَةَ بِالْبَرَاهِينِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ على كل شي وَحِكْمَتِهِ، وَأَنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ وَالسَّلَامِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَالْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ. وَفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ، وَتَوْقِيفٌ عَلَى أَدَبٍ جَمِيلٍ، وَبَعْثٍ عَلَى التَّيَمُّنِ بِالذِّكْرَيْنِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِمَا، وَالِاسْتِظْهَارِ بِمَكَانِهِمَا عَلَى قَبُولِ مَا يُلْقَى إِلَى السَّامِعِينَ وَإِصْغَائِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِنْزَالِهِ مِنْ قُلُوبِهِمُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي يَبْغِيهَا الْمُسْتَمِعُ. وَلَقَدْ تَوَارَثَ الْعُلَمَاءُ وَالْخُطَبَاءُ وَالْوُعَّاظُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ هَذَا الْأَدَبَ، فَحَمِدُوا اللَّهَ وَصَلَّوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَامَ كُلِّ عِلْمٍ مُفَادٍ، وَقَبْلَ كُلِّ عِظَةٍ وَفِي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ، وَتَبِعَهُمُ الْمُتَرَسِّلُونَ فَأَجْرَوْا عَلَيْهِ أَوَائِلَ كُتُبِهِمْ فِي الْفُتُوحِ وَالتَّهَانِي، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَهَا شَأْنٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفى ﴾ اخْتَارَ، أَيْ لِرِسَالَتِهِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾.
(آللَّهُ خَيْرٌ) وأجاز أبو حاتم "أَأَللَّهُ خَيْرٌ" بِهَمْزَتَيْنِ. النَّحَّاسُ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَدَّةَ إِنَّمَا جئ بِهَا فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ، وَهَذِهِ أَلِفُ التَّوْقِيفِ، وَ "خَيْرٌ" هَاهُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى أَفْضَلَ منك، وإنما هو مثل قول الشاعر [[هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.]]: أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ فَالْمَعْنَى فَالَّذِي فِيهِ الشَّرُّ مِنْكُمَا لِلَّذِي فِيهِ الْخَيْرُ الْفِدَاءُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: فُلَانٌ شَرٌّ مِنْ فُلَانٍ فَفِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرٌّ. وَقِيلَ: المعنى، الخير في هذا أَمْ فِي هَذَا الَّذِي تُشْرِكُونَهُ فِي الْعِبَادَةِ! وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: السَّعَادَةُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الشَّقَاءُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ السَّعَادَةَ أَحَبُّ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى بَابِهِ مِنَ التَّفْضِيلِ، وَالْمَعْنَى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا تُشْرِكُونَ، أَيْ أَثَوَابُهُ خَيْرٌ أَمْ عِقَابُ مَا تُشْرِكُونَ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِي عِبَادَةِ الأصنام خير فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ. وَقِيلَ: اللَّفْظُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ: "يُشْرِكُونَ" بِيَاءٍ عَلَى الْخَبَرِ. الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، فَكَانَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ [الْآيَةَ] يَقُولُ: "بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأَجَلُّ وَأَكْرَمُ". قَوْلُهُ تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ، آلِهَتُكُمْ خَيْرٌ أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَمَعْنَاهُ: قَدَرَ عَلَى خَلْقِهِنَّ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَعِبَادَةُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانِكُمْ خَيْرٌ أَمْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟. فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمَعْنَى، وَفِيهِ مَعْنَى التَّوْبِيخِ لَهُمْ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَجْزِ آلِهَتِهِمْ.
(فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ) الْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ الَّذِي عَلَيْهِ حَائِطٌ. وَالْبَهْجَةُ الْمَنْظَرُ الْحَسَنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ الْمُحْظَرُ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ الْبُسْتَانُ وَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: الْحَدَائِقُ النَّخْلُ ذَاتُ بَهْجَةٍ، وَالْبَهْجَةُ الزِّينَةُ وَالْحُسْنُ، يُبْهَجُ بِهِ مَنْ رَآهُ.
(مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) "مَا" لِلنَّفْيِ. وَمَعْنَاهُ الْحَظْرُ وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ هَذَا، أَيْ مَا كَانَ لِلْبَشَرِ، وَلَا يتهيأ لهم تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ، أَنْ يُنْبِتُوا شَجَرَهَا، إِذْ هُمْ عَجَزَةٌ عَنْ مِثْلِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. قُلْتُ: وَقَدْ يُسْتَدَلُّ من هذا على منع تصوير شي سَوَاءٌ كَانَ لَهُ رُوحٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمَ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً" رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" فَذَكَرَهُ، فَعَمَّ بِالذَّمِّ وَالتَّهْدِيدِ وَالتَّقْبِيحِ كُلَّ مَنْ تعاطى تصوير شي مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ وَضَاهَاهُ فِي التَّشْبِيهِ فِي خلقه فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْخَلْقِ وَالِاخْتِرَاعِ هَذَا وَاضِحٌ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ تَصْوِيرَ مَا لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ يَجُوزُ هُوَ وَالِاكْتِسَابُ به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أَنْ يَصْنَعَ الصُّوَرَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَالْمَنْعُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي "سَبَأٍ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ: "أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ" أَيْ هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ.
(بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) بِاللَّهِ غَيْرَهُ. وَقِيلَ: "يَعْدِلُونَ" عَنِ الْحَقِّ وَالْقَصْدِ، أَيْ يَكْفُرُونَ. وَقِيلَ: "إِلهٌ" مَرْفُوعٌ بِ "مَعَ" تَقْدِيرُهُ أَمَعَ اللَّهِ وَيْلَكُمْ إِلَهٌ. وَالْوَقْفُ عَلَى "مَعَ اللَّهِ" حَسَنٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً﴾ أَيْ مُسْتَقَرًّا.
(وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً) أَيْ وَسَطَهَا مِثْلَ "وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً".
(وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ) يَعْنِي جِبَالًا ثَوَابِتَ تُمْسِكُهَا وَتَمْنَعُهَا مِنَ الْحَرَكَةِ.
(وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) مَانِعًا مِنْ قُدْرَتِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْأُجَاجُ بِالْعَذْبِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُلْطَانًا مِنْ قُدْرَتِهِ فَلَا هَذَا يُغَيِّرُ ذَاكَ وَلَا ذَاكَ يُغَيِّرُ هَذَا. وَالْحَجْزُ الْمَنْعُ.
(أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) أَيْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُهُ فَلِمَ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) يَعْنِي كَأَنَّهُمْ يَجْهَلُونَ اللَّهَ فَلَا يَعْلَمُونَ مَا يجب له من الوحدانية.
تفسير الطبري
جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) ﴾
يقول تعالى ذكره: أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضرّ ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرّون عليها لا تميد بكم ﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ يقول: بينها أنهارا ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي ثوابت الجبال،
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ بين العذب والملح، أن يفسد أحدهما صاحبه ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه؟
* *
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضرّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلّ معبود سواه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: أم ما تُشركون بالله خير، أم الذي يجيب المضطّر إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به عنه؟
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ قال: الضرّ.
* *
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾
يقول: ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم.
* *
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾
يقول: أإله مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم؟ وقوله: ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تَذَكُّرًا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.
الآيات في نفس صفحة المصحف
سورة النمل • الآية 56
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ﴿56﴾
سورة النمل • الآية 57
فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَٰهَا مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ﴿57﴾
سورة النمل • الآية 58
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ﴿58﴾
سورة النمل • الآية 59
قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴿59﴾
سورة النمل • الآية 60
أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍۢ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ﴿60﴾
سورة النمل • الآية 61
أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنْهَٰرًۭا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿61﴾
سورة النمل • الآية 62
أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ﴿62﴾
سورة النمل • الآية 63
أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦٓ ۗ أَءِلَٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴿63﴾
