سورة النساء الآية 79 مكتوبة بالتشكيل

سورة النساء • الآية 79

سورة النساء الآية 79 مكتوبة كاملة بالتشكيل

رقم السورة: 4رقم الآية: 79صفحة المصحف: 90الجزء: 5

نص الآية

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا﴿79﴾

استماع الآية

صورة الآية

صورة سورة النساء الآية 79 مكتوبة بالتشكيل، صفحة 90، الجزء 5

تفسير الآية

جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية

التفسير الميسر

من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء

ما أصابك -أيها الإنسان- مِن خير ونعمة فهو من الله تعالى وحده، فضلًا وإحسانًا، وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيِّئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولًا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك.

تفسير السعدي

كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي

{ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } أي: في الدين والدنيا { فَمِنَ اللَّهِ } هو الذي مَنَّ بها ويسرها بتيسير أسبابها. { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ } في الدين والدنيا { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله عنه أكثر. فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه وأمرهم بالدخول لبره وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن إلا نفسه فإنه المانع لنفسه عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } على أنك رسول الله حقا بما أيدك بنصره والمعجزات الباهرة والبراهين الساطعة، فهي أكبر شهادة على الإطلاق، كما قال تعالى: { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فإذا علم أن الله تعالى كامل العلم، تام القدرة عظيم الحكمة، وقد أيد الله رسوله بما أيده، ونصره نصرا عظيما، تيقن بذلك أنه رسول الله، وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي

كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ -وَهُمْ بِمَكَّةَ -مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ النُّصُب، لَكِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْرِ إِلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بَلَدِهِمْ وَهُوَ بَلَدٌ حَرَامٌ وَأَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَائِقًا. فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِمَا كَانُوا يَوَدُّونَهُ جَزع بَعْضُهُمْ مِنْهُ وَخَافُوا مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّاسِ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أَيْ: لَوْ مَا أَخَّرْتَ فَرْضَهُ إِلَى مُدَّةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ فِيهِ سَفْكَ الدِّمَاءِ، ويُتْم الْأَبْنَاءِ، وَتَأَيُّمَ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ [رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٠، ٢١] . [[زيادة من ر. وفي هـ: "الآية".]]

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمة [[في أ: "زرعه".]] وَعَلِيُّ بْنُ زِنْجَةَ قَالَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عباس: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً: قَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ". فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدُويه، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيق، بِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١١١٢) والمستدرك (٢/٣٠٧) .]] .

وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ إِلَّا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، فَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وَهُوَ الْمَوْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾

وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ [[في أ: "الآية".]] نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أَيْ: آخِرَةُ الْمُتَّقِي خَيْرٌ مِنْ دُنْيَاهُ.

﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أَيْ: مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَلْ تُوَفَّوْنَهَا أَتَمَّ الْجَزَاءِ. وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُمْ عَنِ الدُّنْيَا. وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَتَحْرِيضٌ لَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيد، عن هشام قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَحِبَهَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، مَا [[في ر، أ: "وما".]] الدُّنْيَا كُلُّهَا أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا إِلَّا كَرَجُلٍ نَامَ نَوْمَةً، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ بَعْضَ مَا يُحِبُّ، ثُمَّ انْتَبَهَ.

وَقَالَ ابْنُ مَعين: كَانَ أَبُو مُسْهِر يُنْشِدُ:

وَلَا خَيْرَ فِي الدنيا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ... مِنَ اللَّهِ فِي دَارِ الْمُقَامِ نَصيبُ ...

فِإِنْ تُعْجب الدُّنْيَا رجَالا فِإِنْهَا ... مَتَاع قَلِيلٌ والزّوَال قريبُ ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وِالإكْرَامِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦، ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٣٤] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ صَائِرٌ إِلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ عَلَيْهِ جَاهَدَ أَوْ لَمْ يُجَاهِدْ، فَإِنَّ لَهُ أَجَلًا مَحْتُومًا، وَأَمَدًا مَقْسُومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الْمَوْتُ عَلَى فِرَاشِهِ: لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا مَوْقِفًا، وَمَا مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلَّا وَفِيهِ جُرْحٌ مِنْ طَعْنَةٍ أَوْ رَمْيَةٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ [[رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في المختصر لابن المنظور (٨/٢٦) من طريق أبي الزناد أن خالد لما حضرته الوفاة بكى وقال ... فذكره.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أَيْ: حَصِينَةٍ مَنِيعَةٍ عَالِيَةٍ رَفِيعَةٍ. وَقِيلَ: هِيَ بُرُوجٌ فِي السَّمَاءِ. قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا الْمَنِيعَةُ. أَيْ: لَا يُغْنِي حَذَرٌ وَتَحَصُّنٌ مِنَ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أبي سلمى: [[في ر، أ: "طرفة بن العبد".]] وَمَن خَاف أسبابَ المَنيّة يَلْقَهَا ... وَلَوْ رَامَ أسبابَ السَّمَاءِ بسُلَّم [[البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه (ص ٣٠) .]]

ثُمَّ قِيلَ: "المشَيَّدَة" هِيَ المَشِيدَة كَمَا قَالَ: "وَقَصْرٍ مَشِيدٍ" [الْحَجِّ: ٤٥] وَقِيلَ: بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ المُشَيَّدة بِالتَّشْدِيدِ، هِيَ: الْمُطَوَّلَةُ، وَبِالتَّخْفِيفِ هِيَ: الْمُزَيَّنَةُ بِالشَّيْدِ وَهُوَ الْجَصُّ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حِكَايَةً مُطَوَّلَةً عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَةً فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا أَخْذَهَا الطَّلْقُ، فَأَمَرَتْ أَجِيرَهَا أَنْ يَأْتِيَهَا بِنَارٍ، فَخَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: مَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: جَارِيَةً، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَزْنِي بِمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا أَجِيرُهَا، وَيَكُونُ مَوْتُهَا بِالْعَنْكَبُوتِ. قَالَ: فَكَرَّ رَاجِعًا، فَبَعَجَ الْجَارِيَةَ بِسِكِّينٍ فِي بَطْنِهَا، فَشَقَّهُ، ثُمَّ ذَهَبَ هَارِبًا، وَظَنَّ أَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ، فَخَاطَتْ أُمُّهَا بَطْنَهَا، فَبَرِئَتْ وَشَبَّتْ وَتَرَعْرَعَتْ، وَنَشَأَتْ أَحْسَنَ امْرَأَةٍ بِبَلْدَتِهَا [[في ر، أ: "ببلدها".]] فَذَهَبَ ذَاكَ [الْأَجِيرُ] [[زيادة من أ، والطبري.]] مَا ذَهَبَ، وَدَخَلَ الْبُحُورَ فَاقْتَنَى أَمْوَالًا جَزِيلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَأَرَادَ التَّزْوِيجَ، فَقَالَ لِعَجُوزٍ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِأَحْسَنِ امْرَأَةٍ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ. فَقَالَتْ لَهُ: لَيْسَ هُنَا أَحْسَنَ مِنْ فُلَانَةٍ. فَقَالَ: اخْطُبِيهَا عَلَيَّ. فَذَهَبَتْ إِلَيْهَا فَأَجَابَتْ، فَدَخَلَ بِهَا فَأَعْجَبَتْهُ إِعْجَابًا شَدِيدًا، فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرِهِ وَمِنْ أَيْنَ مَقْدِمُهُ [[في أ: "وعن مقدمه".]] ؟ فَأَخْبَرَهَا خَبَرَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي هَرَبِهِ. فَقَالَتْ: أَنَا هِيَ. وَأَرَتْهُ مَكَانَ السِّكِّينِ، فَتَحَقَّقَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ إِيَّاهَا فَلَقَدْ أَخْبَرْتِنِي بِاثْنَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، إِحْدَاهُمَا: أَنَّكِ قَدْ زَنَيْتِ بِمِائَةِ رَجُلٍ. فَقَالَتْ: لَقَدْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا عَدَدُهُمْ؟ فَقَالَ: هُمْ مِائَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّكِ تَمُوتِينَ بِالْعَنْكَبُوتِ. فَاتَّخَذَ لَهَا قَصْرًا مَنِيعًا شَاهِقًا، لِيُحْرِزَهَا مِنْ ذَلِكَ، فَبَيْنَا هُمْ يَوْمًا إِذَا بِالْعَنْكَبُوتِ فِي السَّقْفِ، فَأَرَاهَا إِيَّاهَا، فَقَالَتْ: أَهَذِهِ الَّتِي تَحْذَرُهَا عَلَيَّ، وَاللَّهِ لَا يَقْتُلُهَا إِلَّا أنا، فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتا بِإِبْهَامِ رِجْلِهَا فَقَتَلَتْهَا، فَطَارَ مِنْ سُمِّهَا شَيْءٌ [[في ر: "وطار شيء من سمها".]] فَوَقَعَ بَيْنَ ظُفْرِهَا وَلَحْمِهَا، فَاسْوَدَّتْ رِجْلُهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ أَجَلُهَا [[تفسير الطبري (٨/٥٥٢) .]] .

وَنَذْكُرُ هَاهُنَا قِصَّةَ صَاحِبِ الحَضْر، وَهُوَ "السَّاطِرُونَ" لَمَّا احْتَالَ عَلَيْهِ "سَابُورُ" حَتَّى حَصَرَهُ فِيهِ، وَقَتَلَ مَنْ فِيهِ بَعْدَ مُحَاصَرَةِ سَنَتَيْنِ، وَقَالَتِ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا مِنْهَا: وَأَخُو الحَضْر إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ ... لَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ والخابورُ ...

شَادَهُ مَرْمَرا وَجَلَّلَهُ كلْ ... سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاه وُكُور ...

لَمْ تَهَبْهُ أَيْدِي الْمَنُونِ فَبَادَ الْـ ... مُلْكُ عَنْهُ فبابُه مَهْجور ...

ولما دخل على عثمان جعل يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْمَعْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَرَى الموتَ لَا يُبقي عَزيزا وَلَمْ يَدَعْ ... لِعَادٍ ملاذَّا فِي الْبِلَادِ ومَرْبَعا ...

يُبَيَّتُ أهلُ الحِصْن والحصنُ مغلقٌ ... وَيَأْتِي الجبالَ فِي شَماريخها مَعَا [[في ر: "العلا".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أَيْ: خِصْبٌ وَرِزْقٌ مِنْ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ وَأَوْلَادٍ ونحو [[في ر: "وغير".]] ذلك هذا معنى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيِّ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أَيْ: قَحْطٌ وَجَدْبٌ وَنَقْصٌ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ أَوْ مَوْتُ أَوْلَادٍ أَوْ نَتَاجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَمَا يَقُولُهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: مِنْ قِبَلِكَ وَبِسَبَبِ اتِّبَاعِنَا لَكَ وَاقْتِدَائِنَا بِدِينِكَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣١] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ] [[زيادة من: ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ١١] . وَهَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا وَهُمْ كَارِهُونَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَلِهَذَا إِذَا أَصَابَهُمْ شَرٌّ إِنَّمَا يَسْنُدُونَهُ إِلَى اتِّبَاعِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ [[في ر: "فقال" وفي أ: "قال".]] السُّدِّيُّ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ قَالَ: وَالْحَسَنَةُ الْخِصْبُ، تُنْتج خُيُولُهُمْ وَأَنْعَامُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَيَحْسُنُ حالهم وَتَلِدُ نِسَاؤُهُمُ الْغِلْمَانَ قَالُوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ وَالسَّيِّئَةُ: الجدْب وَالضَّرَرُ فِي أَمْوَالِهِمْ، تَشَاءَمُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالُوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يَقُولُونَ: بِتَرْكِنَا ديننا وَاتِّبَاعِنَا مُحَمَّدًا أَصَابَنَا هَذَا الْبَلَاءُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيِ الْجَمِيعُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَهُوَ نَافِذٌ فِي البَرّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أَيِ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ شَكٍّ وَرَيْبٍ. وَقِلَّةِ فَهْمٍ وَعِلْمٍ، وَكَثْرَةِ جَهْلٍ وَظُلْمٍ: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

ذِكْرُ حَدِيثٍ غَرِيبٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا السَّكن بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وَجَلَسَ عُمَرُ قَرِيبًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لِمَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُكُمَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْحَسَنَاتُ مِنَ اللَّهِ وَالسَّيِّئَاتُ مِنْ أَنْفُسِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَمَا قُلْتَ يَا عُمَرُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ مِنَ اللَّهِ. تَعَالَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ مَقَالَتَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالَ جِبْرِيلُ مَقَالَتَكَ يَا عُمَرُ فَقَالَ: نَخْتَلِفُ فَيَخْتَلِفُ أَهْلُ السَّمَاءِ [[في ر: "السماوات".]] وَإِنْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السَّمَاءِ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْأَرْضِ. فَتَحَاكَمَا إِلَى إِسْرَافِيلَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مِنَ اللَّهِ". ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ "احْفَظَا قَضَائِي بَيْنَكُمَا، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَلَّا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ".

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذَا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة [[مسند البزار برقم (٢٤٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٩١) "شيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر، وقال ابن حجر رحمه الله: "هذا خبر منكر وفي الإسناد ضعف".]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُخَاطِبًا -لِلرَّسُولِ [ﷺ] [[زيادة من أ.]] وَالْمُرَادُ جِنْسُ الْإِنْسَانِ لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: فَمِنْ قِبَلِكَ، وَمِنْ عَمَلِكَ أَنْتَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٠] .

قَالَ السُّدِّيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ جُريج، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عُقُوبَةً يَا ابْنَ آدَمَ بِذَنْبِكَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَا يُصِيبُ رَجُلًا خَدْش عُودٍ، وَلَا عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلَا اخْتِلَاجُ عِرْق، إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ".

وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا فِي الصَّحِيحِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، وَلَا نَصَبٌ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّر اللَّهُ عَنْهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". [[رواه مسلم بنحوه برقم (٢٥٧٢) من حديث عائشة، وبرقم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم.]]

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ: بِذَنْبِكَ، وَأَنَا الَّذِي قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ -يَعْنِي ابْنَ بَكَّار -حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ وَاصِلِ بْنِ أَخِي مُطَرِّف، عَنْ مُطَرِّف بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنَ الْقَدَرِ، أَمَا تَكْفِيكُمُ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وِإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: مِنْ نَفْسِكَ، وَاللَّهِ مَا وُكِلُوا إِلَى الْقَدَرِ وَقَدْ أُمِروا وَإِلَيْهِ يَصِيرُونَ.

وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ أَيْضًا، وَلِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا﴾ أَيْ: تُبْلِغُهُمْ شَرَائِعَ اللَّهِ، وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ.

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أَيْ: عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَكَ، وَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَعَالِمٌ بِمَا تُبْلِغُهُمْ إِيَّاهُ، وَبِمَا يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا.

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ خِصْبٍ وَرَخَاءٍ وَصِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ فَبِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْكَ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ جَدْبٍ وَشِدَّةٍ فَبِذَنْبٍ أَتَيْتَهُ عُوقِبْتَ عَلَيْهِ. وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ أَيْ مَا أَصَابَكُمْ يا معشر الناس من خصب واتساع زرق فَمِنْ تَفَضُّلِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ جَدْبٍ وَضِيقِ رِزْقٍ فَمِنْ أَنْفُسِكُمْ، أَيْ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِكُمْ وَقَعَ ذَلِكَ بِكُمْ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [[راجع ج ١٨ ص ٧ ١٤ فما بعدها.]]). وَقَدْ قِيلَ: الْخِطَابُ لِلْإِنْسَانِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [[راجع ج ٢٠ ص ١٧٨.]]) أَيْ إِنَّ النَّاسَ لَفِي خُسْرٍ، أَلَا تَرَاهُ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ فَقَالَ (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) وَلَا يُسْتَثْنَى إِلَّا مِنْ جُمْلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ (مَا أَصابَكَ) اسْتِئْنَافًا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا حَتَّى يَقُولُوا مَا أَصَابَكَ مِنْ حسنة فمن الله. وفيل: إِنَّ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ مُضْمَرَةٌ، وَالْمَعْنَى أَفَمِنْ نَفْسِكَ؟ ومثله قوله وتعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [[راجع ج ١٣ ص ٩٣.]]) والمعنى أو تلك نِعْمَةٌ؟ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذَا رَبِّي [[راجع ج ٧ ص ٢٧.]]) أَيْ أَهَذَا رَبِّي؟ قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ:

رَمَوْنِي وَقَالُوا [[في اللسان مادة (رفأ):

رفونى وقالوا يا خويلد لا ترع

ورفوت الرجل: سكنته، يقول: سكنوني. وقال ابن هانئ: يريد رفئوني فألقى الهمزة، قال: والهمزة لا تلقى الا في الشعر، وقد ألقاها في هذا البيت، ومعناه: أنى فزعت فطار قلبي فضموا بعضى إلى بعض.]] يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعَ ... فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ

أَرَادَ (أَهُمْ) فَأَضْمَرَ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَسَيَأْتِي. قَالَ الْأَخْفَشُ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي. وَقِيلَ: هُوَ شَرْطٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ الأخفش، لأنه نزل في شي بِعَيْنِهِ مِنَ الْجَدْبِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْمَعَاصِي في شي وَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَكَانَ وَمَا أَصَبْتَ مِنْ سيئة. وروى عبد الوهاب ابن مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيٍّ وابن مسعود (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ) فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَرَ عَبْدَ اللَّهِ وَلَا أُبَيًّا. وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْحَسَنَةُ الْفَتْحُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالسَّيِّئَةُ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، أَنَّهُمْ [[في ج، ط، ز: وكأنهم.]] عُوقِبُوا عِنْدَ خِلَافِ الرُّمَاةِ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْمُوا ظَهْرَهُ وَلَا يَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَرَأَوُا الْهَزِيمَةَ عَلَى قُرَيْشٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَغْنَمُونَ أَمْوَالَهُمْ فَتَرَكُوا مَصَافَّهُمْ، فَنَظَرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَكَانَ مَعَ الْكُفَّارِ يَوْمَئِذٍ ظَهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ انكشف من الرما فَأَخَذَ سَرِيَّةً [مِنَ الْخَيْلِ [[من ج، ط، ز.]]] وَدَارَ حَتَّى صَارَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الرُّمَاةِ إِلَّا صَاحِبُ الرَّايَةِ، حَفِظَ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ مَكَانَهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي (آلِ عِمْرَانَ [[راجع ج ٤ ص ٢٣٧ فما بعد.]]) بَيَانُهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَظِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ). وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الحسنة ها هنا الطَّاعَةَ وَالسَّيِّئَةُ الْمَعْصِيَةَ كَمَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَا أَصَبْتَ كَمَا قَدَّمْنَا، إِذْ هُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ وَالْكَسْبِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْحَسَنَةُ الطَّاعَةَ وَالسَّيِّئَةُ الْمَعْصِيَةَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [[راجع ج ٧ ص ٥١ ٠ - ١٥١.]]) وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهِيَ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُنَا لَهُ مِنَ الْخِصْبِ وَالْجَدْبِ وَالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا جَاءَ فِي آيَةِ (الْأَعْرَافِ) وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

(بِالسِّنِينَ) بِالْجَدْبِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، حُبِسَ الْمَطَرُ عَنْهُمْ فَنَقَصَتْ ثِمَارُهُمْ وَغَلَتْ أَسْعَارُهُمْ.

(فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) أَيْ يَتَشَاءَمُونَ بِهِمْ وَيَقُولُونَ هَذَا مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِنَا لَكَ وَطَاعَتِنَا إِيَّاكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ)

يَعْنِي أَنَّ طَائِرَ الْبَرَكَةِ وَطَائِرَ الشُّؤْمِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ فِيهِ لِمَخْلُوقٍ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَهُ للنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) كَمَا قَالَ: (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَعِلْمِهِ، وَآيَاتُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّ كُلَّ شي بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[راجع ج ١١ ص ٢٨٧.]]) وَقَالَ تَعَالَى: (وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [[راجع ج ٩ ص ٢٩٤.]]). مَسْأَلَةٌ- وَقَدْ تَجَاذَبَ بَعْضُ جُهَّالِ أَهْلِ السُّنَّةِ هَذِهِ الْآيَةَ وَاحْتَجَّ بِهَا، كَمَا تَجَاذَبَهَا الْقَدَرِيَّةُ وَاحْتَجُّوا بِهَا، وَوَجْهُ احْتِجَاجِهِمْ بِهَا أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَسَنَةَ هَا هُنَا الطَّاعَةُ، وَالسَّيِّئَةَ الْمَعْصِيَةُ، قَالُوا: وَقَدْ نَسَبَ الْمَعْصِيَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) إِلَى الْإِنْسَانِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا وَجْهُ تَعَلُّقِهِمْ بِهَا. وَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْآخَرِينَ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قَالُوا: فَقَدْ أَضَافَ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجُهَّالُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّيِّئَةَ هِيَ الْمَعْصِيَةُ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْقَدَرِيَّةُ إِنْ قَالُوا (مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) أَيْ مِنْ طَاعَةٍ (فَمِنَ اللَّهِ) فَلَيْسَ هَذَا اعْتِقَادَهُمْ، لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْحَسَنَةَ فِعْلُ الْمُحْسِنِ وَالسَّيِّئَةَ فِعْلُ الْمُسِيءِ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ لَكَانَ يَقُولُ: مَا أَصَبْتَ مِنْ حَسَنَةٍ وَمَا أَصَبْتَ مِنْ سَيِّئَةٍ، لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ جَمِيعًا، فَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا بِفِعْلِهِ لَهُمَا لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ. نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ [[في ا، ح: أبو الحسين، وفى ج، ط، ز: أبو الحسن شبيب. والذي في البحر: (أبو الحسن شيب).]] شَبِيبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيْدَرَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِحَزِّ الْغَلَاصِمِ فِي إِفْحَامِ الْمُخَاصِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ذَا رِسَالَةٍ (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) نَصْبٌ عَلَى الْبَيَانِ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ كَفَى اللَّهُ شَهِيدًا عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ نَبِيِّهِ وأنه صادق.

تفسير الطبري

جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك = وأما قوله:"وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه ="فمن نفسك"، يعني: بذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك، [[انظر تفسير"الحسنة" فيما سلف: ٥٥٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

وانظر تفسير"السيئة" فيما سلف: ٥٥٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-

٩٩٦٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، أما"من نفسك"، فيقول: من ذنبك.

٩٩٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، عقوبة، يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: لا يصيب رجلا خَدْش عود، ولا عَثرة قدم، ولا اختلاج عِرْق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر.

٩٩٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، يقول:"الحسنة"، ما فتح الله عليه يوم بدر، وما أصابه من الغنيمة والفتح = و"السيئة"، ما أصابه يوم أُحُد، أنْ شُجَّ في وجهه وكسرت رَبَاعيته.

٩٩٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، يقول: بذنبك = ثم قال: كل من عند الله، النعم والمصيبات.

٩٩٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر قالا حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قوله:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، قال: هذه في الحسنات والسيئات. [[انظر التعليق على الأثرين السالفين: ٩٩٦١، ٩٩٦٢.]]

٩٩٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.

٩٩٧٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، قال: عقوبةً بذنبك.

٩٩٧٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، بذنبك، كما قال لأهل أُحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٥] ، بذنوبكم.

٩٩٧٦ - حدثني يونس قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:"وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، قال: بذنبك، وأنا قدّرتها عليك.

٩٩٧٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، وأنا الذي قدّرتها عليك.

٩٩٧٨ - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنيه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بمثله.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما وجه دخول"مِن" في قوله:"ما أصابك من حسنة" و"من سيئة"؟

* *

قيل: اختلف في ذلك أهل العربية.

فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت"من" لأن"من" تحسن مع النفي، مثل:"ما جاءني من أحد". [[انظر ما سلف ٢: ١٢٦، ١٢٧، ٤٤٢، ٤٧٠ / ٥: ٥٨٦ / ٦: ٥٥١.]] قال: ودخول الخبر بالفاء، لأن"ما" بمنزلة"مَن". [[في المطبوعة والمخطوطة: "ودخول الخبر بالفاء لازما بمنزلة من"، وهو كلام لا معنى له البتة، صواب قراءته ما أثبت، ويعني بدخول الفاء في الخبر قوله: "فمن الله" و"فمن نفسك".]]

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: أدخلت"مِن" مع"ما"، كما تدخل على"إن" في الجزاء، لأنهما حرفا جزاء. وكذلك، تدخل مع"مَن"، إذا كانت جزاء، فتقول العرب:"مَن يزرك مِن أحد فتكرمه"، كما تقول:"إن يَزُرك من أحد فتكرمه". قال: وأدخلوها مع"ما" و"مَنْ"، ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء. قالوا: وإذا دخلت معهما لم تحذف، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعًا شيئين، وذلك أن"ما" في قوله:"ما أصابك من سيئة" رفع بقوله:"أصابك"، [[في المطبوعة والمخطوطة: "ما أصابك من حسنة"، والسياق يقتضي ذكر الأخرى كما أثبتها.]] فلو حذفت"مِن"، رفع قوله:"أصابك""السيئةَ"، لأن معناه: إن تصبك سيئة = فلم يجز حذف"مِن" لذلك، لأن الفعل الذي هو على"فعل" أو"يفعل"، لا يرفع شيئين. [["فعل" أو "يفعل"، يعني الماضي والمضارع.]] وجاز ذلك مع"مَن"، لأنها تشتبه بالصفات، [["الصفات"، حروف الجر، كما سلف مرارًا، فراجعه في فهارس المصطلحات.]] وهي في موضع اسم. فأما"إن" فإن"مِن" تدخل معها وتخرج، ولا تخرج مع"أيٍّ"، لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب، ودخلت مع"ما"، لأن الإعراب لا يظهر فيها.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وأرسلناك للناس رسولا"، إنما جعلناك، يا محمد، رسولا بيننا وبين الخلق، تبلّغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردُّوا فعليها ="وكفى بالله" عليك وعليهم ="شهيدًا"، يقول: حسبك الله تعالى ذكره، شاهدًا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، [[انظر تفسير"الشهيد" فيما سلف من فهارس اللغة.]] وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدَك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

الآيات في نفس صفحة المصحف

سورة النساء • الآية 75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴿75﴾

سورة النساء • الآية 76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴿76﴾

سورة النساء • الآية 77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴿77﴾

سورة النساء • الآية 78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا﴿78﴾

سورة النساء • الآية 79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا﴿79﴾