نص الآية
يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ﴿29﴾
صورة الآية

تفسير الآية
جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية
التفسير الميسر
من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء
يسأله مَن في السموات والأرض حاجاتهم، فلا غنى لأحد منهم عنه سبحانه. كل يوم هو في شأن: يُعِز ويُذِلُّ، ويعطي ويَمْنع. فبأي نِعَم ربكما -أيها الثقلان- تكذِّبان؟
تفسير السعدي
كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ سَيَذْهَبُونَ وَيَمُوتُونَ أَجْمَعُونَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السموات، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ سِوَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ -تَعَالَى وَتَقَدَّسَ-لَا يَمُوتُ، بَلْ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا.
قَالَ قَتَادَةُ: أَنْبَأَ بِمَا خَلَقَ، ثُمَّ أَنْبَأَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ [[في م: "فان".]] .
وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا بديع السموات وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ [[في م: "استغيث".]] ، أَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَرَأْتَ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ، فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [الْقَصَصِ:٨٨] ، وَقَدْ نَعَتَ تَعَالَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ أَيْ: هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُخَالَفُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الْكَهْفِ:٢٨] ، وَكَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنِ الْمُتَصَدِّقِينَ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الْإِنْسَانِ:٩]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ذُو الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ.
وَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ تَسَاوِي أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ فِي الْوَفَاةِ، وَأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
وقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ وَافْتِقَارِ الْخَلَائِقِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْآنَاتِ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ، وَأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شأن.
قَالَ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، قَالَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا، أَوْ يُعْطِيَ سَائِلًا أَوْ يَفُكَّ عَانِيًا، أَوْ يَشْفِيَ سَقِيمًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا وَيَغْفِرُ ذَنْبًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يستغني عنه أهل السموات وَالْأَرْضِ، يُحْيِي حَيًّا، وَيُمِيتُ مَيِّتًا، وَيُرَبِّي صَغِيرًا، وَيَفُكُّ أَسِيرًا، وَهُوَ مُنْتَهَى حَاجَاتِ الصَّالِحِينَ وَصَرِيخُهُمْ، وَمُنْتَهَى شَكْوَاهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أبو اليمان الحِمْصيّ، حدثنا حرير بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ سُوَيْد بْنِ جَبَلَةَ -هُوَ الْفَزَارِيُّ-قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمْ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، فَيُعْتِقُ رِقَابًا، وَيُعْطِي رِغَابًا، وَيُقْحِمُ عِقَابًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الغُزّي، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسكي [[في م: "الشكسي".]] ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدَةَ بْنِ رَبَاحٍ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُنِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ الشَّأْنُ؟ قَالَ: "أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَضَعَ آخَرِينَ [[في أ: "قوما".]] " [[تفسير الطبري (٢٧/٧٩) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠١) "مجمع البحرين" والبزار في مسنده برقم (٢٢٦٦) "كشف الأستار" من طريق عمرو بن بكر السكسكي -وهو متروك- عن الحارث بن عبدة به.]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ [[في م: "أبو رزين".]] بْنُ صَبِيح الثَّقَفِيُّ أَبُو رَوْحٍ الدِّمَشْقِيُّ -وَالسِّيَاقُ لِهِشَامٍ-قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَس، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قَالَ: "مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَضَعَ آخَرِينَ [[في أ: قوما".]] " [[رواه ابن ماجه برقم (٢٠٢) من طريق هشام بن عمار به.
قال البوصيري في الزوائد (١/٨٨) : "هذا إسناد حسن لتقاصر الوزير عن درجة الحفظ والإتقان".]] .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، بِهِ. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَمَّامٍ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ، عَنِ الْوَزِيرِ بْنِ صَبِيح قَالَ: وَدَلَّنَا عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُطرِّف، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. يَعْنِي إِسْنَادَهُ الْأَوَّلَ [[تاريخ دمشق (١٧/٧٧١) "القسم المخطوط") .]] .
قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا، كَمَا [[في م، أ: "وقد".]] عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَجَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ [[صحيح البخاري (٨/٦٢٠) "فتح"، ورواه البيهقي في شعب الإيمان موصولا برقم (١١٠٢) من طريق إسماعيل بن عبد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء موقوفا.]] ، فالله أعلم.
وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، قَالَ: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا" [[مسند البزار برقم (٢٢٦٨) "كشف الأستار". قال ابن حجر: "البيلماني ضعيف".]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يوم ثلثمائة وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [[تفسير الطبري (٢٧/٧٩) .]] .
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
قَوْلُهُ تعالى: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) قِيلَ: الْمَعْنَى يَسْأَلُهُ من في السموات الرَّحْمَةَ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ الرِّزْقَ. وَقَالَ ابْنُ عباس وأبو صالح: أهل السموات يَسْأَلُونَهُ الْمَغْفِرَةَ وَلَا يَسْأَلُونَهُ الرِّزْقَ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَسْأَلُونَهُمَا جَمِيعًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَتَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ الرِّزْقَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، فَكَانَتِ الْمَسْأَلَتَانِ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَلَكًا لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ [وَجْهٌ [[الزيادة من ب، ح ز، س، ل، هـ.]]] كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْأَسَدِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلسِّبَاعِ وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الثَّوْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلْبَهَائِمِ وَوَجْهٌ كَوَجْهِ النَّسْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ الرِّزْقَ لِلطَّيْرِ (. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: إِنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْقُوَّةَ عَلَى الْعِبَادَةِ.) كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) هَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ. وَانْتَصَبَ (كُلَّ يَوْمٍ) ظَرْفًا، لِقَوْلِهِ: (فِي شَأْنٍ) أَوْ ظَرْفًا لِلسُّؤَالِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ (هُوَ فِي شَأْنٍ). وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) قَالَ: (مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا وَيَرْفَعَ قَوْمًا [[في ب، ح، ز، س، ل، هـ: (أقواما).]] وَيَضَعَ آخَرِينَ). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) قَالَ: (يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا وَيُجِيبُ دَاعِيًا). وَقِيلَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتَ، وَيُعِزَّ وَيُذِلَّ، وَيَرْزُقَ وَيَمْنَعَ. وَقِيلَ: أَرَادَ شَأْنَهُ فِي يَوْمَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّهْرُ كُلُّهُ يَوْمَانِ، أَحَدُهُمَا مُدَّةُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَالْآخَرُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَشَأْنُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ، وَشَأْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الجزاء والحساب، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ شَأْنِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَالشَّأْنُ فِي اللُّغَةِ الْخَطْبُ الْعَظِيمُ والجمع الشئون والمراد بالشأن ها هنا الْجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ [[راجع ج ١٥ ص (٣٣٠)]] طِفْلًا). وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: شَأْنُهُ سَوْقُ الْمَقَادِيرِ إِلَى الْمَوَاقِيتِ. وَقَالَ عمرو ابن مَيْمُونٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُمِيتَ حَيًّا، وَيُقِرَّ فِي الْأَرْحَامِ مَا شَاءَ، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا، وَيُذِلَّ عَزِيزًا. وَسَأَلَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَزِيرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا، وَاسْتَمْهَلَهُ إِلَى الْغَدِ فَانْصَرَفَ كَئِيبًا إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ غُلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ: عُدْ إِلَى الْأَمِيرِ فَإِنِّي أُفَسِّرُهَا لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ! شَأْنُهُ أَنْ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَيُخْرِجَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيَشْفِيَ سَقِيمًا، وَيُسْقِمَ سَلِيمًا، وَيَبْتَلِيَ مُعَافًى، وَيُعَافِيَ مُبْتَلًى، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا، وَيُذِلَّ عَزِيزًا، وَيُفْقِرَ غَنِيًّا، وَيُغْنِيَ فَقِيرًا، فَقَالَ لَهُ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِخَلْعِ ثِيَابِ الْوَزِيرِ وَكَسَاهَا الْغُلَامَ، فَقَالَ: يَا مَوْلَايَ! هَذَا مِنْ شَأْنِ الله تعالى. وعن عبد الله ابن طَاهِرٍ: أَنَّهُ دَعَا الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ وَقَالَ لَهُ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُ آيَاتٍ دَعَوْتُكَ لِتَكْشِفَهَا لِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [[راجع ج ٦ ص (١٤٣)]] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّدَمَ تَوْبَةٌ. وَقَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْقَلَمَ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلِهِ: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى) [[راجع ج ١٧ ص]] فَمَا بَالُ الْأَضْعَافِ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَجُوزُ أَلَّا يَكُونَ النَّدَمُ تَوْبَةً فِي تِلْكَ الْأُمَّةِ، وَيَكُونُ تَوْبَةً فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَصَائِصَ لَمْ تُشَارِكْهُمْ فِيهَا الْأُمَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ نَدَمَ قَابِيلَ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَتْلِ هَابِيلَ وَلَكِنْ عَلَى حَمْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فَإِنَّهَا شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونٌ يَبْتَدِيهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى) فَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا وَلِي أَنْ أَجْزِيَهُ بِوَاحِدَةٍ أَلْفًا فَضْلًا. فَقَامَ عَبْدُ الله وقبل رأسه وسوغ خراجه.
تفسير الطبري
جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: كلّ من على ظهر الأرض من جنّ وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد ذو الجلال والإكرام؛ وذو الجلال والإكرام من نعت الوجه فلذلك رفع ذو. وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله بالياء، ﴿ذي الجَلال والإكْرام﴾ على أنه من نعت الربّ وصفته.
* *
وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعَم ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذّبان.
* *
وقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾
يقول تعالى ذكره: إليه يَفْزع بمسألة الحاجات كلّ من في السموات والأرض، من مَلَك وإنس وجنّ وغيرهم، لا غنى بأحد منهم عنه.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ، لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، يُحْيي حَيا، ويُمِيت ميتا، ويربي صغيرا، ويذلّ كبيرًا، وهو مَسْأل حاجات الصالحين، ومنتهى شكواهم، وصريخ الأخيار.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يعني مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة، كلّ يوم هو في ذلك.
* *
وقوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
، يقول تعالى ذكره: هو كلّ يوم في شأن خلقه، فيفرج كرب ذي كرب، ويرفع قوما، ويخفض آخرين، وغير ذلك من شئون خلقه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن خباب، والأعمش عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يجيب داعيا، ويعطي سائلا أو يفكّ عانيا، أو يشفي سقيما.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير في قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يفكّ عانيا، ويشفي سقيما، ويجيب داعيا.
⁕ وحدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: من شأنه أن يعطي سائلا ويفك عانيا، ويجيب داعيا، ويشفي سقيما.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: كلّ يوم هو يجيب داعيا، ويكشف كربا، ويجيب مضطرًا، ويغفر ذنبا.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يجيب داعيا، ويعطي سائلا ويفك عانيا، ويتوب على قوم، ويغفر.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يخلق مخلقا، ويميت ميتا، ويحدث أمرا.
⁕ حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا عمرو بن بكر السكسكي، قال: ثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني، عن أبيه عبدة بن رباح، عن منيب بن عبد الله الأزدي، عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله، وما ذلك الشأن؟ قال: "يَغْفِرُ ذَنْبَا، ويُفَرّجُ كَرْبا، ويَرْفَعُ أقْوَاما، وَيَضَعُ آخَرِينَ."
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن الله خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، عرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كلّ يوم ثلاث مئة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة، ويُحيي ويميت، ويُعزّ ويُذلّ، ويفعل ما يشاء.
* *
وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
، يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعَم ربكما معشر الجنّ والإنس، التي أنعم عليكم من صرفه إياكم في مصالحكم، وما هو أعلم به منكم من تقليبه إياكم، فيما هو أنفع لكم تكذّبان.
الآيات في نفس صفحة المصحف
سورة الرحمن • الآية 17
رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴿17﴾
سورة الرحمن • الآية 18
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿18﴾
سورة الرحمن • الآية 19
مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴿19﴾
سورة الرحمن • الآية 20
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ﴿20﴾
سورة الرحمن • الآية 21
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿21﴾
سورة الرحمن • الآية 22
يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ﴿22﴾
سورة الرحمن • الآية 23
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿23﴾
سورة الرحمن • الآية 24
وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ﴿24﴾
سورة الرحمن • الآية 25
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿25﴾
سورة الرحمن • الآية 26
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ﴿26﴾
سورة الرحمن • الآية 27
وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴿27﴾
سورة الرحمن • الآية 28
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿28﴾
سورة الرحمن • الآية 29
يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ﴿29﴾
سورة الرحمن • الآية 30
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿30﴾
سورة الرحمن • الآية 31
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴿31﴾
سورة الرحمن • الآية 32
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿32﴾
سورة الرحمن • الآية 33
يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍۢ﴿33﴾
سورة الرحمن • الآية 34
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿34﴾
سورة الرحمن • الآية 35
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌۭ مِّن نَّارٍۢ وَنُحَاسٌۭ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴿35﴾
سورة الرحمن • الآية 36
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿36﴾
سورة الرحمن • الآية 37
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةًۭ كَٱلدِّهَانِ﴿37﴾
سورة الرحمن • الآية 38
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿38﴾
سورة الرحمن • الآية 39
فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌۭ وَلَا جَآنٌّۭ﴿39﴾
سورة الرحمن • الآية 40
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿40﴾
