نص الآية
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ﴿38﴾
صورة الآية

تفسير الآية
جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية
التفسير الميسر
من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء
فَجُمِع السحرة، وحُدِّد لهم وقت معلوم، هو وقت الضحى من يوم الزينة الذي يتفرغون فيه من أشغالهم، ويجتمعون ويتزيَّنون؛ وذلك للاجتماع بموسى. وحُثَّ الناس على الاجتماع؛ أملًا في أن تكون الغلبة للسحرة.
تفسير السعدي
كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي
ذَكَرَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] تَعَالَى هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ الْفِعْلِيَّةَ بَيْنَ مُوسَى وَالْقِبْطِ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ" وَفِي "سُورَةِ طه" وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقِبْطَ أَرَادُوا أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، فَأَبَى [[في ف، أ: "فيأبى".]] اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. وَهَذَا شَأْنُ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، مَا تَوَاجَهَا وَتَقَابَلَا إِلَّا غَلَبَهُ الْإِيمَانُ، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:١٨] ، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٨١] ، وَلِهَذَا لَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ، وَقَدْ جَمَعُوهُمْ مِنْ أَقَالِيمِ بِلَادِ مِصْرَ، وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ أَسْحَرَ النَّاسِ وَأَصْنَعَهُمْ وَأَشَدَّهُمْ تَخْيِيلًا فِي ذَلِكَ، وَكَانَ السَّحَرَةُ جَمْعًا كَثِيرًا، وَجَمًّا غَفِيرًا، قِيلَ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ: ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَمْرُهُمْ رَاجِعًا إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ وَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ: وهم: ساتور وعازور [[في ف، أ: "وعادون".]] وحطحط [[في أ. "وحطحة".]] ويصقى.
وَاجْتَهَدَ [[في أ: "وحشر".]] النَّاسُ فِي الِاجْتِمَاعِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ] ﴾ [[زيادة من ف.]] ، وَلَمْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ الْحَقَّ سَوَاءً كَانَ مِنَ السَّحَرَةِ أَوْ مِنْ مُوسَى، بَلِ الرَّعِيَّةُ عَلَى دِينِ مَلِكِهِمْ. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ أَيْ: إِلَى مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ وَقَدْ ضَرَبَ لَهُ وَطَاقًا، وَجَمَعَ حَشَمَهُ وَخَدَمَهُ [وَأُمَرَاءَهُ] [[زيادة من أ.]] وَوُزَرَاءَهُ وَرُؤَسَاءَ دَوْلَتِهِ وَجُنُودَ مَمْلَكَتِهِ، فَقَامَ السَّحَرَةُ بَيْنَ يَدِي فِرْعَوْنَ [[في ف، أ: "بين يديه".]] يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ إِنْ غَلَبُوا، أَيْ: هَذَا الَّذِي جَمَعَتْنَا مِنْ أَجْلِهِ، فَقَالُوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أَيْ: وَأَخَصُّ مِمَّا تَطْلُبُونَ أَجْعَلُكُمْ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدِي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة ﴿قَالُوا [[في أ: "فقالوا" وهو خطأ.]] يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥، ٦٦] ، وَقَدِ اخْتُصِرَ هَذَا هَاهُنَا فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ ، وهذا كما يقوله الْجَهَلَةُ مِنَ الْعَوَامِّ إِذَا فَعَلُوا شَيْئًا: هَذَا بِثَوَابِ فَلَانٍ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: أَنَّهُمْ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الْأَعْرَافِ:١١٦] ، وَقَالَ فِي "سُورَةِ طه": ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٦، ٦٩] .
وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ أَيْ: تَخْتَطِفُهُ [[في ف، أ: "تخطفه".]] وَتَجْمَعُهُ مِنْ كُلِّ بُقْعَةٍ وَتَبْتَلِعُهُ فَلَمْ تَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١١٨-١٢٢] وَكَانَ هَذَا أَمْرًا عَظِيمًا جَدًا، وَبُرْهَانًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ وَحُجَّةً دَامِغَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَغْلِبُوا، قَدْ غُلِبُوا وَخَضَعُوا وَآمَنُوا بِمُوسَى فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ، وَسَجَدُوا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي أَرْسَلَ مُوسَى وَهَارُونَ بِالْحَقِّ وَبِالْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ، فَغُلِبَ فِرْعَوْنُ غَلبًا لَمْ يُشَاهِدِ الْعَالَمُ مِثْلَهُ، وَكَانَ وَقِحًا جَرِيئًا عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، فَعَدَلَ إِلَى الْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ وَدَعْوَى الْبَاطِلِ، فَشَرَعَ يَتَهَدَّدُهُمْ وَيَتَوَعَّدُهُمْ، وَيَقُولُ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٢٣] .
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ لَمَّا غَلَبَ مُوسَى فِرْعَوْنَ بِالْحُجَّةِ وَلَمْ يَجِدِ اللَّعِينُ مِنْ تَقْرِيرِهِ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حُجَّةً رَجَعَ إِلَى مُعَارَضَةِ مُوسَى فِي قَوْلِهِ: رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامًا عَنْ مَجْهُولٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ. قَالَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ: كَمَا يُسْتَفْهَمُ عَنِ الْأَجْنَاسِ فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ بِ "مَا". قَالَ مَكِّيٌّ: وَقَدْ وَرَدَ لَهُ اسْتِفْهَامٌ بِ "مَنْ" فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُشْبِهُ أَنَّهَا مَوَاطِنُ، فَأَتَى مُوسَى بِالصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا مَخْلُوقٌ، وَقَدْ سَأَلَ فِرْعَوْنُ عَنِ الْجِنْسِ وَلَا جِنْسَ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْأَجْنَاسَ مُحْدَثَةٌ، فَعَلِمَ مُوسَى جَهْلَهُ فَأَضْرَبَ عَنْ سُؤَالِهِ وَأَعْلَمَهُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي تُبَيِّنُ لِلسَّامِعِ أَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيهَا. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: (أَلا تَسْتَمِعُونَ) عَلَى مَعْنَى الْإِغْرَاءِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ سَفَهِ الْمَقَالَةِ إِذْ كَانَتْ عَقِيدَةُ الْقَوْمِ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ وَالْفَرَاعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ. فَزَادَ مُوسَى فِي الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) فَجَاءَ بِدَلِيلٍ يَفْهَمُونَهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ آبَاءٌ وَأَنَّهُمْ قَدْ فَنُوا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُغَيِّرٍ، وَأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، وَأَنَّهُمْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُكَوِّنٍ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ عَلَى جِهَةِ الاستخفاف: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) أَيْ لَيْسَ يُجِيبُنِي عَمَّا أَسْأَلُ، فَأَجَابَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أَيْ لَيْسَ مُلْكُهُ كَمُلْكِكَ، لِأَنَّكَ إِنَّمَا تملك بلد وَاحِدًا لَا يَجُوزُ أَمْرُكَ فِي غَيْرِهِ، وَيَمُوتُ مَنْ لَا تُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ، وَالَّذِي أَرْسَلَنِي يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ (وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ). وَقِيلَ: عَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ قَصْدَهُ فِي السُّؤَالِ مَعْرِفَةُ مَنْ سَأَلَ عَنْهُ، فَأَجَابَ بِمَا هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الْيَوْمَ. ثُمَّ لَمَّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي بَابِ الْحُجَّةِ رَجَعَ إِلَى الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّغَلُّبِ فَتَوَعَّدَ مُوسَى بِالسَّجْنِ، وَلَمْ يَقُلْ مَا دَلِيلُكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ أَرْسَلَكَ، لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ ثَمَّ إِلَهًا غَيْرُهُ. وَفِي تَوَعُّدِهِ بِالسَّجْنِ ضَعْفٌ. وَكَانَ فِيمَا يُرْوَى أَنَّهُ يَفْزَعُ مِنْهُ فَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ اللَّعِينُ لَا يُمْسِكُ بَوْلَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ سِجْنَهُ كَانَ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ وَكَانَ إِذَا سَجَنَ أَحَدًا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ سَجْنِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَكَانَ مَخُوفًا. ثُمَّ لَمَّا كَانَ عِنْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَرُعْهُ تَوَعَّدَ فِرْعَوْنَ (قالَ) لَهُ عَلَى جهة اللطف به والطمع في إيمانه: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) فَيَتَّضِحُ لَكَ بِهِ صِدْقِي، فَلَمَّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ طَمِعَ فِي أَنْ يَجِدَ أَثْنَاءَهُ موضع معارضة (فقال) لَهُ (فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). وَلَمْ يَحْتَجِ الشَّرْطُ إِلَى جَوَابٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ يَكْفِي مِنْهُ.
(فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ) مِنْ يَدِهِ فَكَانَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ مِنْ قِصَّتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَشَرْحُهُ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَقَالَ السَّحَرَةُ لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل (لَا ضَيْرَ) أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَيْنَا فِيمَا يَلْحَقُنَا مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، أَيْ إِنَّمَا عَذَابُكَ سَاعَةً فَنَصْبِرُ لَهَا وَقَدْ لَقِينَا اللَّهَ مُؤْمِنِينَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اسْتِبْصَارِهِمْ وَقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: دَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِرْعَوْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ السَّحَرَةَ آمَنُوا بِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. يُقَالُ: لَا ضَيْرَ وَلَا ضَوْرَ وَلَا ضَرَّ وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضارورة بمعنى واحد، قال الْهَرَوِيُّ. وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ [[البيت لخداش بن زهير، واستشهد به سيبويه في كتابه على جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة ضرورة. والمعنى: لا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف أو وضيع، وضرب المثل بالظبي أو الحمار.]]:
فَإِنَّكَ لَا يَضُورُكَ بَعْدَ حَوْلٍ ... أَظَبْيٌ كَانَ أُمَّكَ أَمْ حِمَارُ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ضَارَهُ يَضُورُهُ وَيَضِيرُهُ ضَيْرًا وَضَوْرًا أَيْ ضَرَّهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ لَا يَنْفَعُنِي ذَلِكَ وَلَا يَضُورُنِي. وَالتَّضَوُّرُ الصِّيَاحُ وَالتَّلَوِّي عِنْدَ الضَّرْبِ أَوِ الْجُوعِ. وَالضُّورَةُ بِالضَّمِّ الرَّجُلُ الْحَقِيرُ الصَّغِيرُ الشَّأْنِ.
(إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) يُرِيدُ نَنْقَلِبُ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ رَحِيمٍ (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ). "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لِأَنْ كُنَّا. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ كَسْرَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مُجَازَاةً. وَمَعْنَى "أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ" أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَةِ مِمَّنْ كَانَ فِي جَانِبِ فِرْعَوْنَ. الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ مُؤْمِنِي زَمَانِنَا. وَأَنْكَرَهُ الزَّجَّاجُ وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ آمَنَ مَعَهُ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَهُمُ الشِّرْذِمَةُ الْقَلِيلُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ: "إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ" رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ.
تفسير الطبري
جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال فرعون لما أراه موسى من عظيم قدرة الله وسلطانه حجة عليه لموسى بحقيقة ما دعاه إليه، وصدق ما أتاه به من عند ربه ﴿لِلْمَلإ حَوْلَهُ﴾ يعني لأشراف قومه الذين كانوا حوله. ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن موسى سحر عصاه حتى أراكموها ثعبانا ﴿عَلِيمٌ﴾ ، يقول: ذو علم بالسحر وبصر به. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ يقول: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشأم بقهره إياكم بالسحر. وإنما قال: يريد أن يخرجكم فجعل الخطاب للملإ حوله من القبط، والمعنيّ به بنو إسرائيل، لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل، واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا، فلذلك قال لهم: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ وهو يريد: أن يخرج خدمكم وعبيدكم من أرض مصر إلى الشأم.
وإنما قلت معنى ذلك كذلك، لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بإرسال بني إسرائيل معه، فقال له ولأخيه ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ .
* *
وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾
يقول: فأي شيء تأمرون في أمر موسى وما به تشيرون من الرأي فيه؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: فأجاب فرعون الملأ حوله بأن قالوا له: أخِّر موسى وأخاه وأنظره، وابعث في بلادك وأمصار مصر حاشرين يحشرون إليك كل سحّار عليم بالسحر.
الآيات في نفس صفحة المصحف
سورة الشعراء • الآية 20
قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًۭا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴿20﴾
سورة الشعراء • الآية 21
فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًۭا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴿21﴾
سورة الشعراء • الآية 22
وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴿22﴾
سورة الشعراء • الآية 23
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴿23﴾
سورة الشعراء • الآية 24
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴿24﴾
سورة الشعراء • الآية 25
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴿25﴾
سورة الشعراء • الآية 26
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴿26﴾
سورة الشعراء • الآية 27
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ﴿27﴾
سورة الشعراء • الآية 28
قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴿28﴾
سورة الشعراء • الآية 29
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴿29﴾
سورة الشعراء • الآية 30
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ﴿30﴾
سورة الشعراء • الآية 31
قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴿31﴾
سورة الشعراء • الآية 32
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ﴿32﴾
سورة الشعراء • الآية 33
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ﴿33﴾
سورة الشعراء • الآية 34
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌۭ﴿34﴾
سورة الشعراء • الآية 35
يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴿35﴾
سورة الشعراء • الآية 36
قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ﴿36﴾
سورة الشعراء • الآية 37
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍۢ﴿37﴾
سورة الشعراء • الآية 38
فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ﴿38﴾
سورة الشعراء • الآية 39
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ﴿39﴾
