سورة الشعراء الآية 65 مكتوبة بالتشكيل

سورة الشعراء • الآية 65

سورة الشعراء الآية 65 مكتوبة كاملة بالتشكيل

رقم السورة: 26رقم الآية: 65صفحة المصحف: 370الجزء: 19

نص الآية

وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ﴿65﴾

استماع الآية

صورة الآية

صورة سورة الشعراء الآية 65 مكتوبة بالتشكيل، صفحة 370، الجزء 19

تفسير الآية

جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية

التفسير الميسر

من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء

وقرَّبْنا هناك فرعون وقومه حتى دخلوا البحر، وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين. فاستمر البحر على انفلاقه حتى عبروا إلى البر، ثم أغرقنا فرعون ومن معه بإطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه.

تفسير السعدي

كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي

وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ استكملوا خارجين, لم يتخلف منهم أحد.

تفسير ابن كثير

تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ وَجَمْعٍ كَبِيرٍ [[في أ "كثير".]] ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَمْلَكَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، أُولِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالدُّوَلِ، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالْجُنُودِ، فأمَّا مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، مِنْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، مِنْهَا مِائَةُ أَلْفٍ عَلَى خَيْلٍ دُهْم، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: فِيهِمْ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ أَدْهَمَ، فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مُجَازَفَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَعْلَمُ. وَالَّذِي أَخْبَرَ بِهِ هُوَ النَّافِعُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ عِدَّتَهُمْ؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ.

﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ أَيْ: وَصَلُوا إِلَيْهِمْ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ طُلُوعُهَا.

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أَيْ: رَأَى كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ انْتَهَى بِهِمُ السَّيْرُ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، وَهُوَ بَحْرُ الْقُلْزُمِ، فَصَارَ أَمَامَهُمُ الْبَحْرُ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَهُمْ بِجُنُودِهِ، فَلِهَذَا قَالُوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أَيْ: لا يصل إليكم شَيْءٌ مِمَّا تَحْذَرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ هَاهُنَا بِكُمْ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

وَكَانَ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، [وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي السَّاقَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهُمْ وَقَفُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ، وَجَعَلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ] [[زيادة من ف، أ.]] ، أَوْ مُؤْمِنُ آلَ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَسِيرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَاقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ، فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: انْفَلِقْ بِإِذْنِ اللَّهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا [[في ف، أ: "عن".]] مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ [بْنِ مُحَمَّدِ] [[زيادة من الجرح والتعديل (٣/٢/٢٣٦) والدر المنثور (٥/٨٦) .]] بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ قَالَ: يَا مَنْ كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، اجْعَلْ لَنَا مَخْرَجًا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ .

وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوْحَى اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى الْبَحْرِ: أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ، فَبَاتَ الْبَحْرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَهُ اضْطِرَابٌ [[في أ: "اتكل".]] ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَانِبٍ يَضْرِبُهُ مُوسَى، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ. قَالَ: فَاضْرِبْهُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَوْحَى اللَّهُ -فِيمَا ذُكِرَ لِي -إِلَى الْبَحْرِ: أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ. قَالَ: فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْتِظَارًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ ، فَضَرَبَهُ بِهَا وَفِيهَا، [[في أ: "ففيها".]] سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ، فَانْفَلَقَ.

وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَنَّاهُ فَقَالَ: انْفَلِقْ عَلَيَّ أَبَا خَالِدٍ بِحَوْلِ اللَّهِ [[في ف، أ: "بإذن الله".]] .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أَيْ: كَالْجَبَلِ الْكَبِيرِ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هُوَ الفَجّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَارَ الْبَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ -وَزَادَ السُّدِّيُّ: وَصَارَ فِيهِ طَاقَاتٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْمَاءُ عَلَى حَيْلِهِ كَالْحِيطَانِ، وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ فَلَفْحَتْهُ، فَصَارَ يَبَسا [[في أ: "يابسا".]] كَوَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] .

وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ أَيْ: هُنَالِكَ [[في ف: "هناك".]] ﴿الْآخَرِينَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿وأزلفنا﴾ أي: قربنا فرعون وجنوده مِنَ الْبَحْرِ وَأَدْنَيْنَاهُمْ إِلَيْهِ.

﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ أَيْ: أَنْجَيْنَا مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ مَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ فَلَمْ يَهْلَكْ [[في أ: "نهلك".]] مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ [[في ف: "رجل منهم".]] إِلَّا هَلَكَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبَى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ أَسْرَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَغَ فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، ثُمَّ قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْرَغُ مِنْ سَلْخِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ. فَانْطَلَقَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ: انْفَرِقْ. فَقَالَ الْبَحْرُ: لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يَا مُوسَى، وَهَلِ انْفَرَقْتُ [[في ف، أ: "فرقت".]] لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ [[في أ: "بني".]] آدَمَ فَأَنْفَرِقُ [[في أ: "فأفرق".]] لَكَ؟ قَالَ: وَمَعَ مُوسَى رَجُلٌ عَلَى حِصَانٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أَيْنَ أمرتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ [يَعْنِي: الْبَحْرَ، فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ، فَسَبَحَ بِهِ فَخَرَجَ، فَقَالَ: أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ] [[زيادة من ف، أ.]] . قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبت وَلَا كُذبت. ثُمَّ اقْتَحَمَ الثَّانِيَةَ فَسَبَحَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبت [[في أ: "ما كذب".]] وَلَا كُذبت. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ، فَضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ، فَانْفَلَقَ، فَكَانَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَتَرَاءَوْنَ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى وتَتَامّ أصحابُ فِرْعَوْنَ، الْتَقَى الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمْ.

وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَلَمَّا خَرَج آخِرُ أَصْحَابِ مُوسَى، وَتَكَامَلَ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ، اضْطَمَّ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ، فَمَا رُئِيَ سَوَادٌ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَغَرَقَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أَيْ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

تفسير القرطبي

الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ إِنْجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ مِنْ أوليائه، لمعترفين بِرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَإِهْلَاكُ الْكَافِرِينَ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِ، أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا وَسَمَّاهُمْ عِبَادَهُ، لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى. وَمَعْنَى "إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ" أَيْ يَتَّبِعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ لِيَرُدُّوكُمْ. وَفِي ضِمْنِ هَذَا الْكَلَامِ تَعْرِيفُهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَحَرًا، فَتَرَكَ الطَّرِيقَ إِلَى الشَّامِ عَلَى يَسَارِهِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَحْرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقُولُ لَهُ فِي تَرْكِ الطَّرِيقِ فَيَقُولُ: هَكَذَا أُمِرْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ وَعَلِمَ بِسُرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى مَدَائِنِ مِصْرَ لِتَلْحَقَهُ الْعَسَاكِرُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَحِقَهُ وَمَعَهُ مِائَةُ أَلْفِ أَدْهَمَ مِنَ الْخَيْلِ سِوَى سَائِرِ الْأَلْوَانِ. وَرُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَإِنَّمَا اللَّازِمُ مِنَ الْآيَةِ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ تَبِعَهُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ أَلْفُ جَبَّارٍ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ تَاجٌ وَكُلُّهُمْ أَمِيرُ خَيْلٍ. وَالشِّرْذِمَةُ الْجَمْعُ الْقَلِيلُ الْمُحْتَقَرُ وَالْجَمْعُ الشَّرَاذِمُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشِّرْذِمَةُ الطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ وَالْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. وَثَوْبٌ شَرَاذِمُ أَيْ قِطَعٌ. وَأَنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ قَوْلَ الرَّاجِزِ:

جَاءَ الشِّتَاءُ وَثِيَابِي أَخْلَاقْ ... شَرَاذِمُ يَضْحَكُ مِنْهَا النَّوَّاقْ

النَّوَّاقُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يُرَوِّضُ الْأُمُورَ وَيُصْلِحُهَا، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ [[ويقال هو اسم ابنه. ويروى (التواق) بالتاء.]]. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: "لَشِرْذِمَةٌ" لَامُ تَوْكِيدٍ وَكَثِيرًا مَا تَدْخُلُ فِي خَبَرِ إِنَّ، إِلَّا أَنَّ الْكُوفِيِّينَ لَا يُجِيزُونَ إِنَّ زَيْدًا لَسَوْفَ يَقُومُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وَهَذِهِ لَامُ التَّوْكِيدِ بِعَيْنِهَا وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى سَوْفَ، قَالَهُ النَّحَّاسُ.

(وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) أَيْ أَعْدَاءٌ لَنَا لِمُخَالَفَتِهِمْ دِينَنَا وَذَهَابِهِمْ بِأَمْوَالِنَا الَّتِي اسْتَعَارُوهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَمَاتَتْ أَبْكَارُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي "الْأَعْرَافِ" وَ "طه" مُسْتَوْفًى. يُقَالُ: غَاظَنِي كَذَا وَأَغَاظَنِي. وَالْغَيْظُ الْغَضَبُ وَمِنْهُ التَّغَيُّظُ وَالِاغْتِيَاظُ أَيْ غَاظُونَا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ.

(وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) أَيْ مجتمع أخذنا حذرنا وأسلحتنا. وقرى "حاذرون" ومعناه معنى "حاذِرُونَ" أي فرقون خائفون. قال الجوهري: وقرى "وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ" و "حاذِرُونَ" و "حاذرون" بِضَمِّ الذَّالِ حَكَاهُ الْأَخْفَشُ، وَمَعْنَى "حاذِرُونَ" مُتَأَهِّبُونَ، ومعنى "حاذِرُونَ" خَائِفُونَ. قَالَ النَّحَّاسُ: "حَذِرُونَ" قِرَاءَةُ الْمَدَنِيِّينَ وَأَبِي عَمْرٍو، وَقِرَاءَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: "حَاذِرُونَ" وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَ "حَادِرُونَ" بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ قِرَاءَةُ أَبِي عَبَّادٍ وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ عَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلَانَ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى "حَذِرُونَ" وَ "حَاذِرُونَ" وَاحِدٌ. وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَأَجَازَ: هُوَ حَذِرٌ زَيْدًا، كَمَا يُقَالُ: حَاذِرْ زَيْدًا، وَأَنْشَدَ:

حَذِرٌ أُمُورًا لَا تَضِيرُ وَآمِنٌ ... ما ليس منجيه من الاقدار

وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ الْجِرْمِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ هُوَ حَذِرٌ زَيْدًا عَلَى حَذْفِ مِنْ. فَأَمَّا أَكْثَرُ النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر، مِنْهُمُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فَيَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى حَذِرٌ فِي خِلْقَتِهِ الْحَذَرُ، أَيْ مُتَيَقِّظٌ مُتَنَبِّهٌ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَمَعْنَى حَاذِرٍ مُسْتَعِدٌّ وَبِهَذَا جَاءَ التَّفْسِيرُ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ" قَالَ: مُؤْدُونَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ مُقْوُونَ، فَهَذَا ذَاكَ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: مُؤْدُونَ مَعَهُمْ أَدَاةٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى: مَعَنَا سِلَاحٌ وَلَيْسَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَمَّا "حَادِرُونَ" بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَمُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ عَيْنٌ حَدْرَةٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ، أَيْ نَحْنُ مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا عَلَيْهِمْ، ومنه قول الشاعر [[هو امرؤ القيس.]]:

وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقَّتْ مَآقِيهِمَا مِنْ أُخَرْ

وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَجُلٌ حَادِرٌ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئَ اللَّحْمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الِامْتِلَاءُ مِنَ السِّلَاحِ. الْمَهْدَوِيُّ: الْحَادِرُ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يَعْنِي مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَتِ الْجَنَّاتُ بِحَافَّتَيِ النِّيلِ فِي الشُّقَّتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ أُسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ، وَبَيْنَ الْجَنَّاتِ زُرُوعٌ. وَالنِّيلُ سَبْعَةُ خِلْجَانٍ: خَلِيجُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَخَلِيجُ سَخَا، وَخَلِيجُ دِمْيَاطٍ، وَخَلِيجُ سَرْدُوسَ، وَخَلِيجُ مَنْفَ، وَخَلِيجُ الْفَيُّومِ، وَخَلِيجُ الْمَنْهَى [[وهو بحر يوسف عليه السلام.]] متصلة لا ينقطع منها شي عن شي، وَالزُّرُوعُ مَا بَيْنَ الْخِلْجَانِ كُلِّهَا. وَكَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ كُلُّهَا تُرْوَى مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِمَا دَبَّرُوا وَقَدَّرُوا مِنْ قَنَاطِرِهَا وَجُسُورِهَا وَخُلْجَانِهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ النِّيلُ إِذَا غَلَّقَ سِتَّةَ عَشْرَ ذِرَاعًا نِيلَ السُّلْطَانِ، وَيُخْلَعُ عَلَى ابْنِ أَبِي الرَّدَّادِ [[هو عبد الله بن السلام ابن عبد الله بن أبي الرداد المؤذن، قدم مصر من البصرة وحدث بها، وجعل على قياس النيل في ولاية يزيد بن عبد الله التركي- وكانت النصارى تتولى قياسه- وأجرى عليه سبعة دنانير في كل شهر، واستقر قياسه في بنيه زمانا طويلا. وتوفى أبو الرداد سنة ٢٦٦ هـ. عن خطط المقريزي ج ١ ص ٥٨]]، وَهَذِهِ الْحَالُ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى الْآنِ. وَإِنَّمَا قِيلَ نِيلُ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ الْخَرَاجُ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ جَمِيعُهَا تُرْوَى مِنْ إِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ إِذَا غُلِقَ النِّيلُ سَبْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَعٌ وَاحِدٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، ازْدَادَ فِي خَرَاجِهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ. فَإِذَا خَرَجَ. عَنْ ذَلِكَ وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَعًا وَاحِدًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا نَقَصَ خَرَاجُهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَسَبَبُ هَذَا مَا كَانَ يَنْصَرِفُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْخِلْجَانِ وَالْجُسُورِ وَالِاهْتِمَامِ بِعِمَارَتِهَا. فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَا يُرْوَى حَتَّى يُنَادَى إِصْبَعٌ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا بِمِقْيَاسِ مِصْرَ. وَأَمَّا أَعْمَالُ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، فَإِنَّ بِهَا مَا لَا يَتَكَامَلُ رَيُّهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْمَاءِ فِي الذِّرَاعِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بِالصَّعِيدِ الْأَعْلَى. قُلْتُ: أَمَّا أَرْضُ مِصْرَ فَلَا تُرْوَى جَمِيعُهَا الْآنَ إِلَّا مِنْ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَأَصَابِعَ، لِعُلُوِّ الْأَرْضِ وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِعِمَارَةِ جُسُورِهَا، وَهُوَ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَزِيدُ إِذَا انْصَبَّتِ الْمِيَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ حَتَّى يَسِيحَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ، وَتَبْقَى الْبِلَادُ كَالْأَعْلَامِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْمَرَاكِبِ وَالْقِيَاسَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَذَلَّلَ اللَّهُ لَهُ الْأَنْهَارَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ أَنْ يَمُدَّهُ، فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا، وَفَجَّرَ اللَّهُ لَهُ عُيُونًا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عُنْصُرِهِ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ: لَمَّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ بَئُونَةُ مِنْ أَشْهُرِ الْقِبْطِ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةً لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً تَخْلُو مِنْ هَذَا الشَّهْرِ عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ بَيْنَ أَبَوَيْهَا، أَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَحَمَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَيَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ. فَأَقَامُوا أَبِيبَ وَمِسْرَى لَا يَجْرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَهَمُّوا بِالْجَلَاءِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَأَعْلَمَهُ بِالْقِصَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِبِطَاقَةٍ فِي دَاخِلِ كِتَابِهِ. وَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي، فَأَلْقِهَا فِي النيل إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخَذَ الْبِطَاقَةَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ إِلَى نِيلِ مِصْرَ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ قَبْلَ الصَّلِيبِ بِيَوْمٍ وَقَدْ تَهَيَّأَ أَهْلُ مِصْرَ لِلْجَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُمْ فِيهَا إِلَّا بِالنِّيلِ. فَلَمَّا أَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ، أَصْبَحُوا يَوْمَ الصَّلِيبِ وَقَدْ أَجْرَاهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السِّيرَةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ وَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ، فَسَيْحَانُ نَهْرُ الْمَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَجَيْحَانُ نَهَرُ اللَّبَنِ فِي الْجَنَّةِ، وَالنِّيلُ نَهْرُ الْعَسَلِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْفُرَاتُ نَهْرُ الْخَمْرِ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: الدِّجْلَةُ نَهْرُ اللَّبَنِ فِي الْجَنَّةِ. قُلْتُ: الَّذِي فِي الصَّحِيحِ مِنْ هَذَا حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ" لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: "وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ قَالَ أَمَّا النَّهَرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ" لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ" فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدَانِ [[يطردان: أي يجريان، وهما يفتعلان من الطرد.]] فَقَالَ مَا هَذَانَ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا ثُمَّ مَضَى فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالزَّبَرْجَدِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ هَذَا هُوَ الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأَ لَكَ رَبُّكُ. "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُيُونِ عُيُونُ الْمَاءِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمُرَادُ عُيُونُ الذَّهَبِ. وَفِي الدُّخَانِ" كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ". قِيلَ

: إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْرَعُونَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ مِنْ أَوَّلِ مِصْرَ إِلَى آخِرِهَا. وَلَيْسَ في الدخان "وكنوز" جمع كنز، وقد مضى هذا في سورة "براءة" [[راجع ج ٨ ص ١٢٣ طبعه أولى أو ثانية.]]. والمراد بها ها هنا الْخَزَائِنُ. وَقِيلَ: الدَّفَائِنُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْأَنْهَارُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْعُيُونَ تَشْمَلُهَا.

(وَمَقامٍ كَرِيمٍ) قَالَ ابن عمر ابن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْمَقَامُ الْكَرِيمُ الْمَنَابِرُ، وَكَانَتْ أَلْفَ مِنْبَرٍ لِأَلْفِ جَبَّارٍ يُعَظِّمُونَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنَ وَمُلْكَهُ. وَقِيلَ: مَجَالِسُ الرُّؤَسَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمَسَاكِنُ الْحِسَانُ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: سَمِعْتُ أَنَّ الْمَقَامَ الْكَرِيمَ الْفَيُّومُ. وَقِيلَ: كَانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَتَبَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ) فَسَمَّاهَا اللَّهُ كَرِيمَةً بِهَذَا. وَقِيلَ: مَرَابِطُ الْخَيْلِ لِتَفَرُّدِ الزُّعَمَاءِ بِارْتِبَاطِهَا عُدَّةً وَزِينَةً، فَصَارَ مَقَامُهَا أَكْرَمَ مَنْزِلٍ بِهَذَا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا الْمَسَاكِنُ الْحِسَانُ كَانَتْ تُكَرَّمُ عَلَيْهِمْ. وَالْمَقَامُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ الْمَوْضِعَ وَيَكُونُ مَصْدَرًا. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَقَامُ فِي اللُّغَةِ الْمَوْضِعُ، مِنْ قَوْلِكَ قَامَ يَقُومُ، وَكَذَا الْمَقَامَاتُ وَاحِدُهَا مَقَامَةٌ، كَمَا قال [[هو زهير بن أبى سلمى، وينتابها: أي يقال فيها الجميل ويفعل به.]]:

وَفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ ... وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُهَا الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ

وَالْمَقَامُ أَيْضًا الْمَصْدَرُ مِنْ قَامَ يَقُومُ. وَالْمُقَامُ (بِالضَّمِّ) الْمَوْضِعُ مِنْ أَقَامَ. وَالْمَصْدَرُ أَيْضًا مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَالْكُنُوزِ وَالْمَقَامِ الْكَرِيمِ أَوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: رَجَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْوِرَاثَةِ هُنَا مَا اسْتَعَارُوهُ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَصَلَ لَهُمْ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) أَيْ فَتَبِعَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ السُّدِّيُّ: حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِالشُّعَاعِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حِينَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِالضِّيَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ، وَأَشْرَقَتْ إِذَا أَضَاءَتْ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأَخُّرِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَنْ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قولين: أحدهما- لِاشْتِغَالِهِمْ بِدَفْنِ أَبْكَارِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لِأَنَّ الْوَبَاءَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَعَ فِيهِمْ، فَقَوْلُهُ: "مُشْرِقِينَ" حَالٌ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. الثَّانِي- إِنَّ سَحَابَةً أَظَلَّتْهُمْ وَظُلْمَةً فَقَالُوا: نَحْنُ بَعْدُ فِي اللَّيْلِ فَمَا تَقَشَّعَتْ عَنْهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى "فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ" نَاحِيَةَ الْمَشْرِقِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: "فَاتَّبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ" بِالتَّشْدِيدِ وَأَلِفَ الْوَصْلِ، أَيْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَرَّقَ وَغَرَّبَ إِذَا سَارَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ قَدَّرْنَا أَنْ يَرِثَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُشْرِقِينَ فَهَلَكُوا، وَوَرِثَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِلَادَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ﴾ أَيْ تَقَابَلَا [[كذا في نسخ الأصل.]] الْجَمْعَانِ بِحَيْثُ يَرَى كُلُّ فَرِيقٍ صَاحِبَهُ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ.

(قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أَيْ قَرُبَ مِنَّا الْعَدُوُّ وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ: "لَمُدْرَكُونَ" بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَدْرَكَ. وَمِنْهُ "حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ". وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْأَعْرَجُ وَالزُّهْرِيُّ "لَمُدَّرَكُونَ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ [[وكسر الراء- كما في البحر وروح المعاني والكشاف- على وزن، مفتعلون وهو لازم بمعنى الفناء والاضمحلال، من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى.]] مِنْ ادَّرَكَ. قَالَ الفراء: حفر واحتقر بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ "لَمُدْرَكُونَ" وَ "لَمُدَّرَكُونَ" بِمَعْنًى وَاحِدٍ. النَّحَّاسُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الْحُذَّاقُ، إنما يقولون: مدركون ملحقون، ومدركون مُجْتَهَدٌ فِي لِحَاقِهِمْ، كَمَا يُقَالُ: كَسَبْتُ بِمَعْنَى أَصَبْتُ وَظَفِرْتُ، وَاكْتَسَبْتُ بِمَعْنَى اجْتَهَدْتُ وَطَلَبْتُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لَمَّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ جَمْعَ مُوسَى وَقَرُبَ مِنْهُمْ، وَرَأَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْعَدُوَّ الْقَوِيَّ وَالْبَحْرَ أَمَامَهُمْ سَاءَتْ ظُنُونُهُمْ، وَقَالُوا لِمُوسَى عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ وَالْجَفَاءِ: "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ وَزَجَرَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ وَعْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالظَّفَرِ "كَلَّا" أَيْ لَمْ يُدْرِكُوكُمْ "إِنَّ مَعِي رَبِّي" أَيْ بِالنَّصْرِ عَلَى الْعَدُوِّ. "سَيَهْدِينِ" أَيْ سَيَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، فَلَمَّا عَظُمَ الْبَلَاءُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَأَوْا مِنَ الْجُيُوشِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ البحر بعصاه، وذلك أنه عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُتَّصِلَةً بِمُوسَى وَمُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وَإِلَّا فَضَرْبُ الْعَصَا لَيْسَ بِفَارِقٍ لِلْبَحْرِ، وَلَا مُعِينٍ عَلَى ذَلِكَ بِذَاتِهِ إِلَّا بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِرَاعِهِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٨٩ وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.]] قِصَّةُ هَذَا الْبَحْرِ. وَلَمَّا انْفَلَقَ صَارَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا عَلَى عَدَدِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَوَقَفَ الْمَاءُ بَيْنَهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، أَيِ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ. وَالطَّوْدُ الْجَبَلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

فَبَيْنَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ طَوْدٌ ... رَمَاهُ النَّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمَالَا

وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:

حَلُّوا بِأَنْقِرَةٍ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ ... مَاءُ الْفُرَاتِ يجئ مِنْ أَطْوَادِ

جَمْعُ طَوْدٍ أَيْ جَبَلٍ. فَصَارَ لِمُوسَى وَأَصْحَابِهِ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا، فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى وَتَكَامَلَ آخِرُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "يُونُسَ" [[راجع ج ٨ ص ٣٧٨ طبعه أولى أو ثانية.]] انْصَبَّ عَلَيْهِمْ وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُوسَى: مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ، فَنُبِذَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ مِنَ التُّجَّارِ إِلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا أَتَوْا إِلَيْهِ قَالَا لَهُ بِمَ أَمَرَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَايَ هَذِهِ فَيَنْفَلِقُ، فَقَالَا لَهُ: افْعَلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَلَنْ يُخْلِفَكَ، ثُمَّ أَلْقَيَا أَنْفُسَهُمَا فِي الْبَحْرِ تَصْدِيقًا لَهُ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ الْبَحْرُ حَتَّى دَخَلَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ كَمَا كَانَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ أَيْ قَرَّبْنَاهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى أَوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ... فِيهَا النُّفُوسُ إِلَى الْآجَالِ تَزْدَلِفُ

أَبُو عُبَيْدَةَ: "أَزْلَفْنا" جَمَعْنَا وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةُ جَمْعٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَرِثِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: "وَأَزْلَفْنا" بِالْقَافِ عَلَى مَعْنَى أَهْلَكْنَاهُمْ، مِنْ قَوْلِهِ: أَزَلَقَتِ النَّاقَةُ وَأَزْلَقَتِ الْفَرَسُ فَهِيَ مُزْلِقٌ إِذَا أَزَلَقَتْ وَلَدَهَا.

(وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أَيْ عَلَامَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تعالى.

(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِلَّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَاسْمُهُ حَزْقِيلُ وَابْنَتُهُ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ ذَا مُوسَى الْعَجُوزُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمُ الْقَمَرُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أَلَّا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا. قَالَ مُوسَى: فَأَيُّكُمْ يَدْرِي قَبْرَهُ؟ قَالَ: مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَجُوزٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قَالَ: وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَثَقُلَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطِهَا حُكْمَهَا، فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَاحْتَفَرُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَهُ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا، فَإِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ فِي رِوَايَةٍ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِهَا فَفَعَلَ، فَأَتَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ، فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ فَأَنْضَبُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَامَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَتَبَيَّنَتْ لَهُمُ الطَّرِيقُ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقَدْ مَضَى فِي "يُوسُفَ" [[راجع ج ٩ ص ٢٧٠ طبعه أو ثانية.]]. وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِأَعْرَابِيٍّ فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَاجَتَكَ" قَالَ: نَاقَةٌ أُرَحِّلُهَا وَأَعْنُزًا أحبلها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَلِمَ عَجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ" فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ حَالَ هَذِهِ الْعَجُوزِ الَّتِي احْتَكَمَتْ عَلَى مُوسَى أَنْ تَكُونَ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ.

تفسير الطبري

جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) ﴾

يعني بقول تعالى ذكره: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ : وقرّبنا هنالك آل فرعون من البحر، وقدمناهم إليه، ومنه قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ بمعنى: قربت وأُدنيت؛ ومنه قول العجاج:

طَيّ اللَّيالي زُلَفا فَزُلَفا ... سَماوَةَ الهِلالِ حتى احْقَوْقَفَا [[البيت من مشطور الرجز، وهما للعجاج، من أرجوزة مطولة له، وصف ارتحاله في ظلال الليل، وجملا ناجيًا حمله. (انظر اللسان: زلف. وأراجيز العرب للسيد البكري ص ٥٢) . وقبل البيتين بيت متصل بمعناهما، وهو قوله: * ناج طواه الأين مما وجفا *

قال في اللسان: يقول: منزلة بعد منزلة، ودرجة بعد درجة. وقال السيد البكري: زلفًا فزلفًا: أي درجة فدرجة. وسماوة: أي أعلى. واحقوقف: اعوج. يريد طواه السير كما تطوى الليالي الأهلة حتى تنحل (من النحول) وتعوج اهـ. وفي اللسان: الزلف (كسبب) والزلفة والزلفى: القربة، والدرجة، والمنزلة. وأزلف الشيء: قربه. وفي التنزيل (وأُزلفت الجنة للمتقين) : أي قربت. قال الزجاج: وتأويله: أي قريب دخولهم فيها، ونظرهم إليها. وقوله عز وجل: (وأزلفنا ثم الآخرين) معنى (أزلفنا) : جمعنا، وقيل: قربنا الآخرين من الغرق، وهم أصحاب فرعون، وكلاهما حسن جميل؛ لأن جمعهم تقريب بعضهم من بعض. والبيتان من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (ص ١٧٢ من مخطوطة جامعة القاهرة) .]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ قال: قرّبنا.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ قال: هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: دنا فرعون وأصحابه بعد ما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر؛ فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا، قال: ألا ترون البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فذلك قول الله ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ يقول: قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون؛ فلما قام فرعون على الطرق، وأبت خيله أن تتقحم، فنزل جبرائيل ﷺ على ماذيانة، فتشامَّتْ الحُصُن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم، وتفرد جبرائيل بمقلة من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: أقبل فرعون فلما أشرف على الماء، قال أصحاب موسى: يا مكلم الله إن القوم يتبعوننا في الطريق، فاضرب بعصاك البحر فاخلطه، فأراد موسى أن يفعل، فأوحى الله إليه: أن اترك البحر رَهْوا يقول: أمره على سكناته ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ إنما أمكر بهم، فإذا سلكوا طريقكم غرقتهم؛ فلما نظر فرعون إلى البحر قال: ألا ترون البحر فرق مني حتى تفتح لي، حتى أدرك أعدائي فأقتلهم؛ فلما وقف على أفواه الطرق وهو على حصان، فرأى الحصان البحر فيه أمثال الجبال هاب وخاف، وقال فرعون: أنا راجع، فمكر به جبرائيل عليه السلام، فأقبل على فرس أنثى، فأدناها من حصان فرعون، فطفق فرسه لا يقرّ، وجعل جبرائيل يقول: تقدم، ويقول: ليس أحد أحق بالطريق منك، فتشامت الحصن الماذيانة، فما ملك فرعون فرسه أن ولج على أثره؛ فلما انتهى فرعون إلى وسط البحر، أوحى الله إلى البحر: خذ عبدي الظَّالم وعبادي الظلمة، سلطاني فيك، فإني قد سلطتك عليهم، قال: فتغطمطت تلك الفرق من الأمواج كأنها الجبال، وضرب بعضها بعضا؛ فلما أدركه الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وكان جبرائيل ﷺ شديد الأسف عليه لما ردّ من آيات الله، ولطول علاج موسى إياه، فدخل في أسفل البحر، فأخرج طينا، فحشاه في فم فرعون لكيلا يقولها الثانية، فتدركه الرحمة، قال: فبعث الله إليه ميكائيل يعيره: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وقال جبرائيل: يا محمد ما أبغضت أحدا من خلق الله ما أبغضت اثنين أحدهما من الجن وهو إبليس، والآخر فرعون ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ : ولقد رأيتني يا محمد، وأنا أحشو في فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها.

وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ وجمعنا، قال: ومنه ليلة المزدلفة، قال: ومعنى ذلك: أنها ليلة جمع. وقال بعضهم: وأزلفنا ثَمَّ وأهلكنا.

* *

وقوله: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾

يقول تعالى ذكره: وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع موسى من بني إسرائيل أجمعين.

* *

وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾

يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه.

* *

وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾

يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلت بفرعون ومن معه تغريقي إياهم في البحر إذ كذبوا رسولي موسى، وخالفوا أمري بعد الإعذار إليهم، والإنذار لدلالة بينة يا محمد لقومك من قريش على أن ذلك سنتي فيمن سلك سبيلهم من تكذيب رسلي، وعظة لهم وعبرة أن ادكروا واعتبروا أن يفعلوا مثل فعلهم من تكذيبك مع البرهان والآيات التي قد أتيتهم، فيحلّ بهم من العقوبة نظير ما حل بهم، ولك آية في فعلي بموسى، وتنجيتي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه، وإظهاري إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم، على أني سالك فيك سبيله، إن أنت صبرت صبره، وقمت من تبليغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه قيامه، ومظهرك على مكذّبيك، ومعليك عليهم. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما أتاك الله من الحقّ المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به وكذّب رسله من أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن أنجى من رسله، وأتباعهم من الغرق والعذاب الذي عذب به الكفرة.

الآيات في نفس صفحة المصحف

سورة الشعراء • الآية 61

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴿61﴾

سورة الشعراء • الآية 62

قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴿62﴾

سورة الشعراء • الآية 63

فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴿63﴾

سورة الشعراء • الآية 64

وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلْءَاخَرِينَ﴿64﴾

سورة الشعراء • الآية 65

وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ﴿65﴾

سورة الشعراء • الآية 66

ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْءَاخَرِينَ﴿66﴾

سورة الشعراء • الآية 67

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴿67﴾

سورة الشعراء • الآية 68

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴿68﴾

سورة الشعراء • الآية 69

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ﴿69﴾

سورة الشعراء • الآية 70

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ﴿70﴾

سورة الشعراء • الآية 71

قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًۭا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ﴿71﴾

سورة الشعراء • الآية 72

قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴿72﴾

سورة الشعراء • الآية 73

أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴿73﴾

سورة الشعراء • الآية 74

قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴿74﴾

سورة الشعراء • الآية 75

قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴿75﴾

سورة الشعراء • الآية 76

أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ﴿76﴾

سورة الشعراء • الآية 77

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّۭ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴿77﴾

سورة الشعراء • الآية 78

ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴿78﴾

سورة الشعراء • الآية 79

وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ﴿79﴾

سورة الشعراء • الآية 80

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴿80﴾

سورة الشعراء • الآية 81

وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ﴿81﴾

سورة الشعراء • الآية 82

وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ﴿82﴾

سورة الشعراء • الآية 83

رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ﴿83﴾