نص الآية
وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ﴿45﴾
صورة الآية

تفسير الآية
جميع التفاسير المتاحة لهذه الآية
التفسير الميسر
من كتاب :التفسير الميسر - نخبة من العلماء
وحللتم في مساكن الكافرين السابقين الذين ظلموا أنفسهم كقوم هود وصالح، وعلمتم -بما رأيتم وأُخبرتم- ما أنزلناه بهم من الهلاك، وضربنا لكم الأمثال في القرآن، فلم تعتبروا؟
تفسير السعدي
كتاب تفسيرالسعدي - عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي
تفسير ابن كثير
تفسير القرآن الكريم - عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٩، ١٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [[في أ: "وأكون".]] مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي حَالِ مَحْشَرِهِمْ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٧، ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٧] .
وَقَالَ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تَكُونُوا تَحْلِفُونَ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْحَالِ: أَنَّهُ لَا زَوَالَ لَكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مَعَادَ وَلَا جَزَاءَ، فَذُوقُوا هَذَا بِذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أَيْ: مَا لَكَمْ مِنِ انْتِقَالٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النَّحْلِ: ٣٨] .
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: قَدْ رَأَيْتُمْ وَبَلَغَكُمْ مَا أَحْلَلْنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ قَبْلَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَوْقَعْنَا بِهِمْ مُزْدَجَرٌ لَكُمْ [[في ت: "لكم مزدجر".]] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [الْقَمَرِ: ٥] .
وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [بْنِ دَابِيلَ] [[زيادة من ت، وفي أ: "بن دنيال".]] أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قَالَ: أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمُ فِي رَبِّهِ نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ، فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا [[في ت: "فشبا".]] .
قَالَ: فَأَوْثَقَ رِجْل كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوتٍ، وَجَوَّعَهُمَا، وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُلٌ آخَرُ فِي التَّابُوتِ قَالَ:-وَرَفَعَ فِي التَّابُوتِ عَصًا عَلَى رَأْسِهِ اللَّحْمُ -قَالَ: فَطَارَا [قَالَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ، مَا [[في ت: "ماذا".]] تَرَى؟ قَالَ: أَرَى كَذَا وَكَذَا، حَتَّى قَالَ: أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذباب. قال: فقال: صوب العصا، فَصَوَّبَهَا، فَهَبَطَا. قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: "وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ" [[تفسير الطبري (١٣/١٦٠) ، وصوب العصا: خفضها وأنزلها أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.]] .
قُلْتُ: وَكَذَا رُوي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَرَآ: "وَإِنْ كَادَ"، كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ. وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذُنَانَ [[في ت: "أرباب"، وفي أ: "أريان".]] عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِنَمْرُودَ مَلِكِ كَنْعَانَ: أَنَّهُ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَالْمَكْرِ، كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مَلِكُ الْقِبْطِ فِي بِنَاءِ الصَّرْحِ، فَعَجَزَا وَضَعُفَا. وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ، وَأَصْغَرُ وَأَدْحَرُ.
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ بَصَرُهُ عَنِ الْأَرْضِ وَأَهْلِهَا، نُودِيَ أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرق، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ فَصَوَّبَ الرِّمَاحَ، فصَوبت النُّسُورُ، فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ مِنْ هَدَّتِهَا، وَكَادَتِ الْجِبَالُ أَنْ تَزُولَ مِنْ حِسِّ [[في ت: "من حين".]] ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
وَنَقَلَ ابْنُ جُريج [[في أ: "ابن جرير".]] عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ"، بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى، وَضَمِّ [[في ت، أ: "ورفع".]] الثَّانِيَةِ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَشِرْكِهِمْ بِهِ، مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُشْبِهُ هَذَا إِذًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يَقُولُ شِرْكُهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠ -٩١] ، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
تفسير القرطبي
الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ﴾ أَيْ فِي بِلَادِ ثَمُودَ وَنَحْوِهَا فَهَلَّا اعْتَبَرْتُمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ مَا فَعَلْنَا بِهِمْ، وَبَعْدَ أَنْ ضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ فِي الْقُرْآنِ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ "وَنُبَيَّنْ لَكُمْ" بِنُونٍ وَالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي، وَلِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ: "كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ". وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ، "وَتَبَيَّنَ" وَهِيَ مِثْلُهَا فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ إِلَّا بِتَبْيِينِ اللَّهِ إياهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أَيْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَالْمُعَانَدَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
(وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) "إِنْ" بِمَعْنَى "مَا" أَيْ مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ لِضَعْفِهِ وَوَهَنِهِ، "وَإِنْ" بِمَعْنَى "مَا" فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا هَذَا. الثَّانِي- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٨٢.]] [يونس: ٩٤]. الثَّالِثُ- ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا﴾[[راجع ج ١١ ص ٢٧٥.]] [الأنبياء: ١٧] أَيْ مَا كُنَّا. الرَّابِعُ- ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١١٩ وص ٢٠٨.]] [الزخرف: ٨١]. الْخَامِسُ- "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ"»
[الأحقاف: ٢٦]. وَقَرَأَ الْجَمَاعَةُ "وَإِنْ كانَ" بِالنُّونِ. وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيٌّ "وَإِنْ كَادَ" بِالدَّالِ. وَالْعَامَّةُ عَلَى كَسْرِ اللَّامِ فِي "لِتَزُولَ" عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْجُحُودِ وَفَتْحِ اللَّامِ الثَّانِيَةِ نصبا. وقرا بن مُحَيْصِنٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْكِسَائِيُّ "لِتَزُولَ" بِفَتْحِ اللَّامِ الأول عَلَى أَنَّهَا لَامُ الِابْتِدَاءِ وَرَفْعِ الثَّانِيَةِ "وَإِنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ اسْتِعْظَامُ مَكْرِهِمْ، أَيْ وَلَقَدْ عَظُمَ مَكْرُهُمْ حَتَّى كَادَتِ الْجِبَالُ تَزُولُ مِنْهُ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الِاخْتِيَارُ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَالَتْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَلَا حُجَّةَ عَلَى مُصْحَفِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَانِيلَ [[هذا السند في كل الأصول ولم نقف عليه رغم البحث.]] قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ جَبَّارًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ قَالَ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَعْلَمَ مَنْ في السموات، فَعَمَدَ إِلَى فِرَاخِ نُسُورٍ، فَأَمَرَ أَنْ تُطْعَمَ اللَّحْمَ، حَتَّى اشْتَدَّتْ وَعَضَلَتْ وَاسْتَعْلَجَتْ [[استعجلت: غلطت.]] أَمَرَ بِأَنْ يُتَّخَذَ تَابُوتٌ يَسَعُ فِيهِ رَجُلَيْنِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِيهِ عَصًا فِي رَأْسِهَا لَحْمٌ شَدِيدٌ حُمْرَتُهُ، وَأَنْ يُسْتَوْثَقَ مِنْ أَرْجُلِ النُّسُورِ بِالْأَوْتَادِ، وَتُشَدُّ إِلَى قَوَائِمِ التَّابُوتِ، ثُمَّ جَلَسَ هُوَ وَصَاحِبٌ له من التَّابُوتِ وَأَثَارَ النُّسُورَ، فَلَمَّا رَأَتِ اللَّحْمَ طَلَبَتْهُ، فَجَعَلَتْ تَرْفَعُ التَّابُوتَ حَتَّى بَلَغَتْ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ الْجَبَّارُ لِصَاحِبِهِ: افْتَحِ الْبَابَ فَانْظُرْ مَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى الْجِبَالَ كَأَنَّهَا ذُبَابٌ، فَقَالَ: أَغْلِقِ الْبَابَ، ثُمَّ صَعِدَتْ بِالتَّابُوتِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَصْعَدَ، فَقَالَ الْجَبَّارُ لِصَاحِبِهِ: افْتَحِ الْبَابَ فَانْظُرْ مَا تَرَى؟ فَقَالَ: مَا أَرَى إِلَّا السَّمَاءَ وَمَا تَزْدَادُ مِنَّا إِلَّا بُعْدًا، فَقَالَ: نَكِّسِ الْعَصَا فَنَكَّسَهَا، فَانْقَضَّتِ النُّسُورُ. فَلَمَّا وَقَعَ التَّابُوتُ عَلَى الْأَرْضِ سُمِعَتْ له هدة كادت الجبال تزول عن مَرَاتِبِهَا [[تعقب هذه القصة ابن عطية في تفسيره بعد أن حكاها عن الطبري بقوله: "وذلك عندي لا يصح عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وفى هذه القصة ضعف من طريق المعنى، وذلك إنه من غير الممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر احد بنفسه في مثل هذا".]] مِنْهَا، قَالَ: فَسَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ "وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى مِنْ "لَتَزُولُ" وَضَمَّ الثَّانِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ هَذَا الْخَبَرَ بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّ الْجَبَّارَ هُوَ النُّمْرُودُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ مَعَهُ فِي التَّابُوتِ غُلَامٌ أَمْرَدُ، وَقَدْ حَمَلَ الْقَوْسَ وَالنَّبْلَ فَرَمَى بِهِمَا فَعَادَ إِلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدِّمَاءِ وَقَالَ: كَفَيْتَ نَفْسَكَ [[عبارة الثعلبي في "قصص الأنبياء": (كفيت شغل إله السماء).]] إِلَهَ السَّمَاءِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: تَلَطَّخَ بِدَمِ سَمَكَةٍ من السماء، فقذفت نَفْسَهَا إِلَيْهِ مِنْ بَحْرٍ فِي الْهَوَاءِ مُعَلَّقٌ. وَقِيلَ: طَائِرٌ مِنَ الطَّيْرِ أَصَابَهُ السَّهْمُ ثُمَّ أَمَرَ نُمْرُودُ صَاحِبَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْعَصَا وَأَنْ يُنَكِّسَ اللَّحْمَ، فَهَبَطَتِ النُّسُورُ بِالتَّابُوتِ، فَسَمِعَتِ الْجِبَالُ حَفِيفَ التَّابُوتِ وَالنُّسُورِ فَفَزِعَتْ، وَظَنَّتْ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ السَّاعَةَ قَدْ قَامَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ". قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا جَائِزٌ بِتَقْدِيرِ خَلْقِ الْحَيَاةِ فِي الْجِبَالِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النُّمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى الصَّرْحَ فِي قَرْيَةِ الرَّسِّ مِنْ سَوَادِ الكوفة، وجعل طول خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَعَرْضَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَصَعِدَ مِنْهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى السَّمَاءِ اتَّخَذَهُ حِصْنًا، وَجَمَعَ فِيهِ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ لِيَتَحَصَّنَّ فِيهِ. فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ، فَتَدَاعَى الصَّرْحُ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا جَمِيعًا، فَهَذَا مَعْنَى "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ" وَفِي الْجِبَالِ الَّتِي عَنَى زَوَالَهَا بِمَكْرِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- جِبَالُ الْأَرْضِ. الثَّانِي- الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ لِثُبُوتِهِ وَرُسُوخِهِ كَالْجِبَالِ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: "وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ" أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَيُجَازِيهِمْ أَوْ عِنْدَ اللَّهِ جَزَاءُ مَكْرِهِمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. "وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ" بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ مَا كَانَ مَكْرُهُمْ مَكْرًا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ وَخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْجِبَالُ مَثَلٌ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: "وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ" فِي تَقْدِيرِهِمْ "لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ" وَتُؤَثِّرَ في إبطال الإسلام. وقرى "لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ" بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَضَمِّ الثَّانِيَةِ، أَيْ كَانَ مَكْرًا عَظِيمًا تَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَفِظَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾[[راجع ج ١٨ ص ٣٠٦.]] [نوح: ٢٢] وَالْجِبَالُ لَا تَزُولُ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ عَنْ تَعْظِيمِ الشيء هكذا تكون.
تفسير الطبري
جامع البيان في تأويل القرآن - الإمام أبو جعفر الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ (٤٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين كفروا بالله، فظلموا بذلك أنفسهم من الأمم التي كانت قبلكم ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ يقول: وعلمتم كيف أهلكناهم حين عتوا على ربهم وتمادوا في طغيانهم وكفرهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ يقول: ومثَّلنا لكم فيما كنتم عليه من الشرك بالله مقيمين الأشباه، فلم تنيبوا ولم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم ما قد نزل بكم من العذاب، إن ذلك غير كائن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ قد والله بعث رسله، وأنزل كتبه، ضرب لكم الأمثال، فلا يصم فيها إلا أصمّ، ولا يخيب فيها إلا الخائب، فاعقلوا عن الله أمره.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ قال: سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذب الله أهلها، وتبين لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال.
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿الأمْثَالَ﴾ قال: الأشباه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
الآيات في نفس صفحة المصحف
سورة إبراهيم • الآية 43
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ﴿43﴾
سورة إبراهيم • الآية 44
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ﴿44﴾
سورة إبراهيم • الآية 45
وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ﴿45﴾
سورة إبراهيم • الآية 46
وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴿46﴾
سورة إبراهيم • الآية 47
فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ﴿47﴾
سورة إبراهيم • الآية 48
يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴿48﴾
سورة إبراهيم • الآية 49
وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴿49﴾
سورة إبراهيم • الآية 50
سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴿50﴾
سورة إبراهيم • الآية 51
لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴿51﴾
سورة إبراهيم • الآية 52
هَٰذَا بَلَٰغٌۭ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ﴿52﴾
